“مقالات“| حرمة الاقتتال الداخلي وسقوط دعاوى “الشرعية”: نحو خارطة طريق يمنية واقعية..!

5٬882

أبين اليوم – خاص 

بقلم/ فيصل الخليفي*:

لقد تجرعت اليمن على مدى سنوات طوال مرارة حربٍ عبثية دمرت الحجر والشجر، وأنهكت الإنسان والوطن، وجرت البلاد والعباد إلى فتن طاحنة شتتت الشعب اليمني الأبي ومزقته في بقاع الأرض. ومع تفاقم هذه النكبة المستمرة، بات لزاماً علينا أن نعيد قراءة المشهد السياسي والقانوني بعيون الواقع الحقيقي المعاش، ووفقاً للمواثيق الإجماعية التي توافق عليها اليمنيون، بعيداً عن التزييف وأوهام الشرعيات العبثية والارتهان الأعمى للتحالفات الخارجية.

أولاً: الحرمة القطعية لدماء اليمنيين ونكبة الاستقواء بالخارج:

إن دماء اليمنيين وبأدلة القرآن الكريم والسنة النبوية المتواترة محرمة تحريماً قطعياً وجازماً، فاقتتال أبناء الوطن الواحد والجلد الواحد – تحت أي مبرر سياسي أو حزبي أو مناطقي – هو جريمة كبرى تتنافى مع قيم الدين السمح وأعراف القبيلة والأسلاف والأعراف الإنسانية.

هذه الجريمة تضاعف جرمها واستفحل خطرها عبر منكر الاستقواء بالخارج وجلب التحالفات العسكرية الأجنبية، وهي الممارسة التي شرعنت لتدمير البنية التحتية لبلدنا، وارتكاب المجازر بحق أهلنا، وسلب الإرادة والسيادة الوطنية. إن خروج ما تسمى “الشرعية” وهذا التحالف من المشهد اليمني بأكمله هو أولى خطوات الحل، والركيزة الأساسية لوقف نزيف الدم الطاهر وإنهاء الحروب التي لم تجلب لليمن سوى الدمار والشتات والمجاعة.

ثانياً: سقوط دعاوى “الشرعية” المزعومة وتعرية ناهبي الثروات:

بالعودة إلى القوانين والمواثيق الوطنية، وتحديداً وثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل—التي تمثل المرجعية الكبرى وآخر إجماع يمني حقيقي—نجد أن “الشرعية الحقيقية الدائمة” لأي سلطة في اليمن لا تنشأ ولا تصبح نافذة إلا عبر مسار دستوري وانتخابي واضح ومقيد بالخطوات التالية:

– صياغة الدستور الجديد للبلاد والاستفتاء عليه شعبياً وبحرية كاملة:

إجراء الانتخابات العامة (الرئاسية والبرلمانية) ليمارس الشعب حقه في الاختيار وفق خارطة الطريق السياسية التي ستتفق عليها اطراف الواقع اليمني وليس الخارج .

قيام الدولة الاتحادية وبدء عمل مؤسساتها الرسمية بناءً على تلك الإرادة الحرة.

أما الفترات الانتقالية التي سبقت وعاصرت هذه الأحداث، فالأصل القانوني فيها والملزم للجميع هو أن تكون السلطة مشتركة وتوافقية بحتة بين سائر المكونات والأطراف الفاعلة دون إقصاء. وبناءً على ذلك، فإن القوى والرموز التي تدّعي “الشرعية” اليوم من عواصم ومقاهي الخارج لا تملك أي أساس قانوني أو شرعي أو توافقي.

لقد استغل هؤلاء دعاوى “الشرعية” الزائفة لنهب مقدرات اليمن، وسرقة ثروات الشعب، وتشييد القصور والشركات والعقارات لعائلاتهم في إسطنبول، والقاهرة، وعدة دول، في وقت يتجرع فيه المواطن اليمني الصابر مرارة الحصار والفقر وانقطاع المرتبات.

إن هؤلاء المتمسكين بشرعية الوهم، إلى جانب التحالف الذي استقووا به، ارتكبوا جرائم بشعة بحق الشعب اليمني، وجزاؤهم العادل هو المحاكمة القضائية الصارمة لارتكابهم مجازر وحرب إبادة لا تسقط بالتقادم، وعلى محكمة العدل الدولية والمنظمات القضائية المعنية أن تقف أمام هذه الجرائم بمسؤولية لمحاكمة هؤلاء القتلة والناهبين.

ثالثاً: الخارطة الإنسانية والسياسية الواقعية للحل المنشود:

إن الخروج باليمن من هذا النفق المظلم يتطلب من المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة عبر مبعوثها الدولي لليمن، الكف التام عن إعادة تدوير الكيانات المغتربة الفندقية التي لا وجود لها في واقع الأرض، والعمل الجاد وفق رؤية عملية تتكون من مسارين متلازمين:

المسار الإنساني (الخارطة الإنسانية بادي ذي بدء): وهي الخطوة المفتاحية والواجبة فوراً؛ وتشمل رفع الحصار كاملاً غير مشروط، فتح سائر المطارات والموانئ اليمنية، صرف مرتبات موظفي الدولة من عائدات الثروات النفطية والسيادية الوطنية للبلاد، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين على قاعدة الكل مقابل الكل.

المسار السياسي الواقعي (الخارطة الوطنية): الانتقال مباشرة بعد إنفاذ المسار الإنساني إلى خارطة الطريق السياسية التي أعددناها، والتي تتوافق تماماً مع الواقع اليمني والأطراف الفاعلة الحقيقية على أرض الواقع.

إن أصحاب القرار وصناع الحل هم المتواجدون داخل تراب الوطن، الصامدون مع شعبهم، والذين يديرون شؤون البلاد ويمتلكون النفوذ والقرار الفعلي، وليس تلك الشراذم الخارجة عن أرض اليمن والمستقوية بالخارج.

إن السيادة الوطنية والقرار اليمني المستقل الحر هما السبيل الوحيد والأوحد لاستعادة الأمن والاستقرار وبناء الدولة المنشودة. لا حلول ستأتي من وراء الحدود، ولا شرعية لمن باع وطنه بارتماء مكشوف في أحضان الوصاية؛ والعدالة قادمة لا محالة للقصاص لكل يمني عانى من ويلات هذا الإجرام المنظم.

*عضو مؤتمر الحوار الوطني

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com