“تحليل“| كيف دفع العدوان على إيران السفن إلى أطول طريق بحري في العالم..!
أبين اليوم – تقارير
تحليل/عبدالكريم مطهر مفضل
ما يجري في البحر الأحمر ومضيق هرمز لم يعد اضطراباً أمنياً عابراً على أطراف الجغرافيا البحرية، بل بداية تفكيك صريح لأحد أعمدة النظام الاقتصادي العالمي: حرية العبور واستقرار سلاسل الإمداد.
فحين تضطر شركة بحجم ميرسك إلى إعادة توجيه أساطيلها بعيداً عن باب المندب، ويتحوّل إيلات من منفذ بحري استراتيجي إلى عبء جغرافي معزول، فإننا لا نكون أمام “مخاطر تأمين” أو “تصعيد موضعي”، بل أمام انهيار تدريجي لمفهوم العمق الآمن للملاحة الدولية.
الأخطر من ذلك أن الصراع انتقل من منطق استهداف السفن إلى منطق استهداف المسارات نفسها، ومن تهديد الأصول إلى ضرب الثقة في الجغرافيا. هنا تحديداً يتبدّل جوهر المعركة: لم تعد مواجهة بين أطراف إقليمية، بل اشتباك مباشر مع البنية التشغيلية للتجارة العالمية، حيث يصبح الزمن، والتكلفة، وقابلية المرور أدوات ضغط لا تقل فتكاً عن أي سلاح عسكري، وتغدو المضائق ساحات سيادة فعلية في معركة إعادة رسم النفوذ.
كما لم يعد أيضًا البحر الأحمر ومضيق هرمز ممرات بحرية آمنة كما كانت قبل أشهر. فمع إعلان شركة الملاحة الدنماركية “ميرسك” تعليق عبور سفنها عبر باب المندب وقناة السويس وتحويل مسارها نحو رأس الرجاء الصالح، اتسعت دائرة التداعيات لتشمل سلاسل الإمداد العالمية، فيما برز عامل جديد قلب المعادلة يتمثل بنجاح قوات صنعاء خلال عامين من إسناد غزة في تعطيل الملاحة المرتبطة بكيان الاحتلال الإسرائيلي وإغلاق ميناء إيلات عملياً.
– إيلات.. من الميناء إلى “النقطة المعزولة”:
يقع ميناء إيلات على البحر الأحمر، ويُعد المنفذ البحري للاحتلال الإسرائيلي الوحيد على هذا المسار. وبالعودة إلى تكثيف الاستهدافات والتهديدات في نطاق باب المندب، مع إعلان قوات صنعاء منع السفن المرتبطة بكيان الاحتلال الإسرائيلي من العبور، أدّى إلى توقف شبه كامل في حركة السفن المتجهة إلى الميناء.
في تقرير بعنوان “إغلاق ميناء إيلات.. انتصار للحوثيين وخسارة اقتصادية فادحة لإسرائيل”، كشفت صحيفة “كالكاليست” العبرية، في 18 يوليو الماضي، عن تراجع دراماتيكي في إيرادات الميناء.
وبحسب التقرير، حقق ميناء إيلات عام 2023 إيرادات بلغت 212 مليون شيكل (نحو 57.2 مليون دولار)، إلا أن هذه الإيرادات انهارت في عام 2024 بنسبة 80% لتصل إلى 42 مليون شيكل فقط (نحو 11.3 مليون دولار)، بعد إغلاق مسار التجارة عبر البحر الأحمر.
الأرقام التشغيلية تبدو أكثر دلالة: فقد استقبل الميناء في 2023 نحو 134 سفينة و150 ألف سيارة، بينما تراجع العدد في 2024 إلى 16 سفينة فقط، ثم إلى 6 سفن خلال النصف الأول من عام 2025، وفق ما أوردته صحيفة “غلوبس” الاقتصادية.
هذه الأرقام تعكس عملياً حالة الشلل في النشاط البحري، وتحول الميناء من بوابة تجارية حيوية إلى منشأة تعمل بأدنى طاقتها.
– ما الذي تعنيه هذه الأرقام؟:
الأرقام التي نشرتها الصحافة الاقتصادية العبرية لا تعكس فقط أزمة تشغيلية عابرة، بل تشير إلى تحوّل في ميزان الردع البحري. فعندما يتراجع عدد السفن في ميناء واحد من 134 إلى 16 ثم إلى 6 خلال عامين، فإن ذلك يعني أن المخاطر لم تعد نظرية، بل دخلت في حسابات السوق.
في المحصلة، يبدو أن المعركة البحرية لم تعد مجرد امتداد للصراع العسكري، بل باتت ساحة اقتصادية مفتوحة، حيث تتحول الموانئ والمضائق إلى أوراق ضغط، وتصبح الأرقام المالية دليلاً على عمق التأثير.
– المضائق تحت الضغط: باب المندب وهرمز:
إغلاق باب المندب أمام سفن بعينها، بالتوازي مع إعلان تعليق العبور عبر مضيق هرمز في ذروة التصعيد بين إيران من جهة والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، خلق مشهداً غير مسبوق: شريانان حيويان للطاقة والتجارة مهددان في آن واحد.
قرار ميرسك تحويل السفن حول رأس الرجاء الصالح يضيف نحو 10 إلى 15 يوماً إلى زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا، ويرفع تكاليف الوقود والتأمين والأجور، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع. ومع تعليق شحنات نفط وغاز عبر هرمز، يصبح التأثير مزدوجاً: ضغط على التجارة العامة وأسواق الطاقة معاً.
شركات ملاحية عالمية أشارت إلى أن شركات التأمين رفعت أقساط المخاطر على السفن المتجهة إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر، فيما فضّلت شركات شحن كبرى تجنب المسار كلياً، والدوران عبر الرجاء الصالح.
– الاقتصاد في قلب المعركة:
اللافت أن التأثير لن يقتصر على كيان الاحتلال الإسرائيلي. فتعطيل الممرات البحرية يطال سلاسل الإمداد العالمية برمتها. شركات الشحن العالمية لا تتخذ قراراتها بناءً على المواقف السياسية، بل على حسابات المخاطر والكلفة. ومع تصاعد المواجهات العسكرية، تصبح السلامة أولوية تفوق أي اعتبار آخر.
هذا الواقع يضع المنطقة أمام معادلة معقدة: كلما اتسعت رقعة المواجهة، ارتفعت كلفة الشحن والطاقة، وتزايد الضغط على الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، يبرز البحر الأحمر ومضيقي باب المندب وهرمز كمسرح صراع جديد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالاقتصادية، وتتحول المضائق إلى نقاط ارتكاز في معركة النفوذ الإقليمي.
– إلى أين تتجه المواجهة؟:
إذا استمرت المواجهات العسكرية، وتواصل تحويل السفن بعيداً عن باب المندب وهرمز، فإن المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تموضع تجاري واسعة، قد تعيد رسم خرائط النقل البحري لسنوات.
السؤال لم يعد: هل هناك تصعيد؟ بل: إلى أي مدى يمكن للاقتصاد العالمي تحمّل كلفة بحرٍ مشتعل؟
ويبقى السؤال الأبرز: هل دخلت المضائق البحرية الاستراتيجية فعلياً مرحلة جديدة تعيد رسم خرائط التجارة والنفوذ في المنطقة والعالم لسنوات مقبلة؟
وعليه يمكن القول:
الخلاصة القاسية التي تفرضها الوقائع هي أن ما يجري لم يعد أزمة ملاحة مؤقتة ولا موجة ضغط تكتيكية، بل انتقال فعلي إلى مرحلة خنق جيو-اقتصادي منظم تُستخدم فيه عقد العبور نفسها كسلاح استراتيجي.
عندما تُدفع شركات بحجم ميرسك إلى إعادة رسم خرائطها بعيداً عن باب المندب، ويتحوّل شلل إيلات إلى حقيقة تشغيلية بالأرقام، فيما يبقى مضيق هرمز معلقاً على حافة الانفجار، فهذا يعني أن ميزان القوة لم يعد يُقاس بعدد القطع البحرية ولا بحاملات الطائرات، بل بالقدرة على تعطيل الزمن اللوجستي للاقتصاد العالمي نفسه.
الأخطر أن هذا النمط من الصراع لا يمنح الخصوم ترف “الاحتواء” أو “إدارة التصعيد”، لأن أي خطأ حسابي في هذه العقد البحرية يحوّل الخسارة من خسارة عسكرية موضعية إلى صدمة أسعار، واضطراب طاقة، وارتباك سلاسل إمداد عابر للقارات.
عملياً، نحن أمام مشهد يعيد تعريف النفوذ في المنطقة: من يملك القدرة على تهديد الممرات، يملك ورقة ضغط على الأسواق العالمية بأكملها، لا على خصومه الإقليميين فقط. وإذا استمر هذا المسار، فإن البحر الأحمر وهرمز لن يعودا ممرين للتجارة، بل سيغدوان خطوط تماس اقتصادية عالمية، تُدار عليها معركة كسر إرادات طويلة، تكون كلفتها الحقيقية مدفوعة من جيوب العالم… لا من ساحات القتال وحدها.