جنازة هادي بلا مسؤول سعودي.. النهاية التي كشفت حقيقة “الشرعية” والحرب على اليمن..!
أبين اليوم – خاص
في مشهدٍ أثار جدلاً واسعاً في الأوساط اليمنية، ووري اليوم الجمعة جثمان الرئيس اليمني الأسبق عبدربه منصور هادي الثرى في العاصمة السعودية الرياض، في جنازة خلت تماماً من أي حضور رسمي سعودي.
وفي وضع يختزل ثماني سنوات من العبث السياسي، ووري عبدربه منصور هادي الثرى، لا كرئيس حليف خاضت المملكة حربًا باسمه، بل كلاجئ أثقل وجوده على مضيفه حتى في الموت. جنازة لم يحضرها سوى الصمت السعودي المطبق، وكأن الرجل الذي رُفعت صورته على فوهات المدافع لم يعد يستحق حتى برقية عزاء.
لم يكن الغائب سفيرًا أو مسؤولًا صغيرًا؛ لقد غابت الدولة السعودية بكاملها. من محمد آل جابر، المندوب الدائم لدى اليمن، إلى أدنى موظف بروتوكولي، لم يكلف أحد نفسه عناء الحضور. اكتفت الرياض بتوفير رجال أمن، لا لتشييع رئيس، بل لضبط شارع. رسالة لم تكن بحاجة إلى بيان: أنتم، يا من راهنتم علينا، حتى موتاكم لا نراهم.
هذا التجاهل لم يكن حادثًا عرضيًا في جدول الأعمال، بل كان تتويجًا لمسلسل الإذلال الذي بدأ بإقامة جبرية فرضت على هادي منذ 2022، واستمر بمنع نقله إلى مسقط رأسه في أبين ليدفن بين أهله، وانتهى بجنازة بلا مودعين رسميين. الرياض التي شنت آلاف الغارات تحت شعار “إعادة الشرعية” ها هي تكتب بيدها شهادة وفاة هذا الشعار قبل أن تكتب شهادة وفاة الرجل.
لقد انكشف القناع في أكثر اللحظات رمزية. حين كان هادي يُستعمل، كانت عدسات الإعلام السعودي لا تفارقه، شرعية هنا، دعم هناك، بيانات وتصريحات وضخ دعائي لا يتوقف. أما اليوم، وقد جف دوره الوظيفي، فقد أصبح جثمانه مجرد إزعاج لوجستي. هكذا، في صمت الرياض المطبق على نعش حليفها، تتجلى الحقيقة التي طالما صرخ بها اليمنيون: الحرب لم تكن لاستعادة شرعية أحد، بل كانت لتنفيذ أجندة سعودية لا تعرف من السياسة إلا لغة الأدوات، تُستخدم ثم تُلقى في أقرب مزبلة تاريخية.
وبينما ضجت منصات التواصل بتساؤلات النشطاء المقارنين بين ضجيج الحرب وصمت الجنازة، كانت الرياض قد طويت الصفحة أصلًا. لا لأنها منشغلة، بل لأنها لا تملك في قاموسها السياسي كلمة “وفاء”. ما حدث يوم الجمعة في مقبرة الرياض ليس مجرد خاتمة عبدربه منصور هادي، بل هو إعلان سعودي لكل نخبة يمنية راهنت على المقعد الخلفي للطائرة: هذا مصيركم، جنازة بلا دبلوماسيين، وقبر في بلد لا يعرف إلا ثمن النفط، ولغة الاستعمال، وصمت ما بعد انتهاء الصلاحية.
تحليل:
في جنازة الرجل الذي رُفعت رايته شماعةً لحرب استمرت ثماني سنوات، لم تجد الرياض حتى مقعدًا شاغرًا لترسله. مشهدٌ يختزل المأساة اليمنية برمتها في نعشٍ مُهان، يُوارى الثرى بصمت يضاهي صمت القنابل وهي تنهمر باسمه.
لم يكن غياب المسؤولين السعوديين عن جنازة عبدربه منصور هادي مجرد نكث بروتوكولي عابر، بل كان اعترافًا صامتًا من الجلاد بأن الضحية التي حملت واجهة “الشرعية” لم تكن سوى أداة وظيفية، قناعًا سياسيًا رخيصًا، انتهى دوره بانتهاء صلاحية استخدامه.
ها هي الرياض تكتب بيدها شهادة وفاة روايتها الخاصة عن الحرب. بعد آلاف الغارات الجوية، ومئات آلاف القتلى، وأكبر أزمة إنسانية في العالم، كلها تحت يافطة “استعادة شرعية هادي”، يأتي الرد السعودي على استفهامات التاريخ بصمت مطبق أمام نعش الرجل.
لم يحضر الوفد، ولم يُرسل المعزّي، ولم يُسمح حتى للجثمان أن يعود إلى تراب وطنه. إنها رسالة لا تحتمل التأويل: أنتم مجرد أدوات، تُستخدمون ثم تُرمون، وحتى قبوركم لا تستحق منا نظرة وداع.
لقد تجرد المشهد من كل أقنعته ليصبح مرآة عارية للحقيقة التي طالما صرخ بها اليمنيون: الحرب لم تكن لشرعية هادي، بل كانت لأجندة سعودية خالصة.
وحين جفّت الحاجة للغطاء، سقط الغطاء. فجأة، يصبح “الرئيس الشرعي” مجرد نزيل إقامة جبرية، وجثمانه مجرد إزعاج بيروقراطي، وجنازته مجرد مهمة أمنية عادية توكل إلى رجال المرور. هذا ليس تجاهلًا، هذا هو الجوهر الحقيقي للعلاقة بين الرياض ووكلائها حين تنتهي مهمتهم: إعدام رمزي بعد الموت، بعد أن كان الموت نفسه يُدار باسمهم.
وبينما انشغل النشطاء بالمقارنة بين ضجيج الدعاية الحربية وصمت الجنازة، كانت الرياض قد غادرت المشهد أصلًا. لقد غادرته وهي متأكدة أن لا أحد سيحاسبها، لا على الحرب، ولا على الموت، ولا حتى على إذلال الموتى في قبورهم.
إنها الصورة النهائية لنظام لا يعرف الوفاء إلا لمن يحمل حقائب المال، ولا يفهم من السياسة إلا تكتيك الاستعمال والتخلص. ما حدث في تلك الجنازة الصامتة ليس خاتمة هادي وحده، بل إعلان سعودي واضح بأن كل يمني راهن على الرياض، فليتأمل هذا المشهد جيدًا: هكذا تُدفن كرامتكم، وهكذا يُغلق ملفكم، في قبر بلا شهود، وسماء بلا طائرات، وضمير عالمي مات منذ زمن طويل.