“تقرير“| جرائم اغتصاب الأطفال كمرآة لتصدع المنظومة الأمنية في جنوب اليمن..!
أبين اليوم – تقارير
لم تعد حوادث العنف الجنسي والانتهاكات الموجهة ضد الطفولة في اليمن مجرد انحرافات سلوكية فردية يمكن تطويقها بالحلول العشائرية أو المساومات السياسية، بل تحولت إلى عاصفة شعبية واجتماعية تكشف عن تصدعات غائرة في بنية المنظومة الأمنية والقضائية، لا سيما في المناطق الواقعة تحت مظلة الحكومة الشرعية كعدن وتعز. إن الجريمة الأخيرة التي هزت الرأي العام في عدن، والتي تورط فيها مسؤول أمني، أعادت فتح الجرح اليمني المثقل بذاكرة الإفلات من العقاب (كمأساة الشاب رأفت دنبع عام 2019)، لتضع “البنية الأمنية الموازية” والممول إقليمياً طيلة السنوات الماضية تحت مجهر الإدانة التاريخية والأخلاقية.
وتتجاوز هذه المعضلة حدود الفعل الجنائي الصادم لتلامس مخاطر وجودية تضرب النسيج الاجتماعي المحافظ؛ حيث تتغذى الجريمة على “ثقافة الصمت والوصمة الاجتماعية”، وغياب مراكز التأهيل النفسي للضحايا، في ظل بيئة أفرزت تزاوجاً خطيراً بين السلاح والنفوذ والترهيب وحماية الجناة.
واليوم، تأتي هذه الهبة الشعبية الغاضبة في منعطف سياسي بالغ الحساسية من عام 2026، يتزامن مع حل المجلس الانتقالي والبدء في دمج وتوحيد الفصائل المسلحة برعاية سعودية؛ مما يجعل من هذه القضية بالذات “المحك والمصير” لمصداقية العهد الجديد. فإما أن تنجح مؤسسات الدولة عبر قضاء مستعجل وأحكام علنية رادعة في استعادة هيبة القانون وتطهير المدن، وإما أن يستمر التستر والتباطؤ، ليبقى فتيل الاحتقان الشعبي مشتعلاً وقابلاً للانفجار في وجه الجميع.
خلفية المشهد:
فجّر مقطع فيديو وثّق حادثة اغتصاب مروعة لطفل من قبل مسؤول أمني في عدن، موجة عارمة وغير مسبوقة من السخط الشعبي والمخاوف الأمنية، ليعيد إلى الواجهة ملفاً مثقلاً بالانتهاكات الجسيمة والعنف الجنسي ضد الأطفال.
هذه الجريمة الدخيلة على قيم المجتمع اليمني المحافظ لم تكن مجرد سلوك عابر، بل أعادت إلى الأذهان سلسلة من الفجائع المماثلة التي شهدتها مناطق مختلفة في نطاق سيطرة الحكومة الشرعية، ولا سيما مدينتي عدن وتعز، ووثقتها تقارير منظمات أممية ودولية (مثل اليونيسف وهيومن رايتس ووتش)، والتي أكدت مراراً أن أطفال اليمن باتوا الفئة الأكثر هشاشة في ظل غياب الحماية القانونية والمجتمعية، وانهيار المنظومة الرعائية بفعل سنوات الصراع الطويلة.
– حاميها حراميها :
اقتران الحادثة الأخيرة بأسماء منتسبين للأجهزة الأمنية أعاد إلى الأذهان فوراً مأساة تصفية الشاب “رأفت دنبع” مطلع عام 2019، والذي دفع حياته ثمناً لكشفه جريمة اغتصاب طفل من قبل أفراد قوة أمنية، وهذا الربط التاريخي يثبت، بحسب مراقبين ومحللين سياسيين وحقوقيين، أن هذه الجرائم لم تعد مجرد “حوادث فردية معزولة”، بل هي نتاج مباشر لسياسة ممنهجة وفرتها بنية أمنية شُكلت خارج إطار القانون، وحظيت بحماية وتستر من قيادات عليا في المجلس الانتقالي (المنحل مؤخراً) طيلة السنوات الماضية، حيث تحول السلاح الممول إقليمياً من أداة مفترضة لإنفاذ القانون إلى مظلة لحماية المتورطين في جرائم الانتهاكات الإنسانية، والعنف الجنسي الموجه ضد الأطفال والنساء.
تتجاوز أبعاد هذه الظاهرة حدود الجريمة الجنائية العادية لتلامس مخاطر وجودية تهدد النسيج الاجتماعي؛ فالأبعاد النفسية والاجتماعية المترتبة على استمرار هذه الانتهاكات تؤسس لصدمة مجتمعية مزمنة، وتدفع بالأسر نحو العزلة والخوف المستمر على سلامة أبنائها، وهذا القلق يتضاعف مع تفشي “ثقافة الصمت والوصمة الاجتماعية”؛ إذ تُجبر الكثير من العائلات على التكتم عن الجرائم خوفاً من النظرة المجتمعية، وهو ما يستغله الجناة كدرع غير مرئي لارتكاب المزيد من الفظائع، وعلاوة على ذلك، فإن غياب مراكز الدعم النفسي المتخصصة يترك الأطفال الضحايا دون تأهيل، محولاً معاناتهم إلى شروخ نفسية غائرة تدمر مستقبلهم ومستقبل جيل بأكمله.
ووفقا لمحللين، فإن المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية عن استمرار هذه الانتهاكات تقع اليوم على عاتق طرفين رئيسيين، هما المجلس الانتقالي المنحل، ومجلس القيادة وحكومته.. موضحين أن المجلس الانتقالي الجنوبي قيادةً وفصائل، يتحملون المسؤولية المباشرة عن تسليح وتغطية هذه العناصر المارقة، وعن شرعنة نظام أمني موازٍ افتقر للعقيدة الوطنية وحوّل الأحياء السكنية إلى ساحات نفوذ وتصفية حسابات، مع استخدام النفوذ والترهيب لإغلاق ملفات الانتهاكات الأخلاقية وحرمان الضحايا من العدالة عبر التدخل لتسهيل فرار الجناة أو الضغط على أسر الضحايا للقبول بتسويات عشوائية.
وأضاف المحللون أن الحكومة الشرعية بمؤسساتها القضائية والتنفيذية، تتحمل مسؤولية التقاعس الطويل والتهاون في بسط سيادة القانون، والقبول بتمييع القضايا الكبرى تحت لافتة التوازنات السياسية، مما أفقد المواطن ثقته في قدرة الدولة على حمايته وصون عرضه، وجعل مؤسسات المقاضاة تبدو عاجزة عن تطبيق العقوبات الفورية والرادعة.
يأتي هذا الانفجار الشعبي الغاضب في توقيت سياسي بالغ الحساسية من عام 2026، وتحديداً في أعقاب التطورات الكبيرة، التي افضت إلى حل المجلس الانتقالي وإلغاء هيئاته، وبدء مرحلة انتقالية تهدف إلى دمج وتوحيد الفصائل المسلحة تحت مظلة وزارتي الداخلية والدفاع برعاية سعودية،
وهذا المنعطف يجعل من القضية الحالية- وفقاً لمراقبين- المحك الحقيقي والمصيري لمصداقية التوجه الجديد؛ فإما أن تنجح مؤسسات الدولة والقضاء في تفعيل “القضاء المستعجل”، وملاحقة الجناة بصفاتهم الجنائية وتجريدهم من أي حمايات سابقة، وإصدار أحكام رادعة وعلنية في ميادين عامة لإعادة الطمأنينة إلى النفوس وتطهير المدن من هذه الظواهر الدخيلة، وإما أن يستمر العجز والتستر، مما يعني بقاء فتيل الاحتقان الشعبي مشتعلاً وقابلاً للانفجار في وجه الجميع لغسل هذا العار الإنساني والأخلاقي.
وعليه يمكن القول:
ما يجعل هذه القضية شديدة الخطورة ليس فداحة الجريمة فحسب، بل ما تكشفه من تصدعات عميقة في بنية المنظومة الأمنية والقضائية التي يفترض بها حماية المجتمع لا أن تتحول أسماؤها إلى جزء من الاتهامات المتداولة.
فحين ترتبط جرائم بهذا الحجم بعناصر تمتلك نفوذاً أو غطاءً أمنياً، فإن القضية تنتقل من إطار الانحراف الفردي إلى مستوى الشكوك حول فعالية منظومة الرقابة والمساءلة بأكملها. والأخطر أن أي تباطؤ أو تهاون في كشف الحقيقة ومعاقبة المسؤولين لن يُفسَّر شعبياً بوصفه عجزاً إدارياً فقط، بل باعتباره قبولاً ضمنياً باستمرار بيئة الإفلات من العقاب.
واليوم تقف السلطات أمام اختبار مصيري: إما فرض العدالة بصورة شفافة وحاسمة تعيد الاعتبار لهيبة القانون وتحمي المجتمع من تكرار هذه المآسي، أو ترك الجرح مفتوحاً ليتحول إلى رمز لفشل الدولة في حماية أكثر فئات المجتمع ضعفاً، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الثقة العامة والاستقرار الاجتماعي ومستقبل أي مشروع لإعادة بناء المؤسسات.