“تقرير“| زيارة محمد بن زايد إلى الكويت.. هل تدشن الإمارات توازناً خليجياً جديداً في مواجهة الهيمنة السعودية..!

7٬881

أبين اليوم – تقارير 

يرى عدد من المراقبين أن زيارة رئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إلى الكويت، تأتي في سياق يتجاوز أبعادها الثنائية التقليدية، لتكتسب دلالات سياسية مرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوى داخل مجلس التعاون الخليجي، في ظل تصاعد التنافس بين أبوظبي والرياض على النفوذ الإقليمي.

وبحسب تقديرات سياسية، فإن الزيارة تندرج ضمن تحركات إماراتية تهدف إلى توسيع شبكة علاقاتها الخليجية وتعزيز هامش حركتها السياسية، في مرحلة تتسم بتزايد التباينات مع السعودية في عدد من الملفات الإقليمية والاقتصادية، مع الحرص في الوقت ذاته على إبقاء هذا الحراك ضمن إطار دبلوماسي لا يظهر وكأنه مواجهة مباشرة مع الرياض.

وتشير مصادر متابعة للشأن الخليجي إلى أن أبوظبي تدرك أن تشكيل محور خليجي معلن في مواجهة السعودية ليس خياراً واقعياً في الظروف الحالية، إلا أنها تعمل على بناء شبكة من التفاهمات الثنائية والإقليمية تكفل منع انفراد الرياض بقيادة القرار الخليجي، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع الكويت والبحرين، إلى جانب توسع حضورها في عدد من الملفات الإقليمية.

رسائل التوقيت:

تكمن أهمية الزيارة، وفق مصادر سياسية، في توقيتها أكثر من مضمونها الرسمي، إذ جاءت في ظل تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة، واستمرار التحولات التي تشهدها البيئة الإقليمية، بما أعاد فتح النقاش حول مستقبل التوازنات داخل مجلس التعاون.

ويرى مراقبون أن التحرك الإماراتي السريع نحو الكويت يحمل رسالة مفادها أن أبوظبي حريصة على تثبيت حضورها السياسي والأمني في الخليج وعدم ترك الساحة الدبلوماسية حكراً على السعودية، خصوصاً في ظل احتدام المنافسة بين العاصمتين على إدارة الملفات الإقليمية.

كما تشير تقديرات إلى أن التغطية الإعلامية الإماراتية المكثفة للزيارة لم تكن مجرد متابعة بروتوكولية، بل جاءت في إطار إبراز الإمارات باعتبارها شريكاً رئيسياً في أمن الخليج وإظهار مستوى متقدم من التنسيق مع الكويت، بما يعزز صورة أبوظبي كقطب مؤثر داخل المنظومة الخليجية.

تنافس يتجاوز اليمن إلى الاقتصاد والطاقة:

ويؤكد باحثون في شؤون الخليج أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة مختلفة عن مرحلة التحالف الوثيق التي أعقبت عام 2015، حيث انتقلت تدريجياً من التنسيق شبه الكامل إلى التنافس على النفوذ السياسي والاقتصادي.

ويتمثل هذا التنافس، وفق الباحثين، في تباين أولويات البلدين تجاه ملفات إقليمية، أبرزها اليمن والقرن الأفريقي، إلى جانب المنافسة على جذب الاستثمارات العالمية والمقار الإقليمية للشركات الدولية، فضلاً عن الخلافات المتعلقة بسياسات إنتاج النفط وإدارة أسواق الطاقة.

لماذا الكويت؟:

تنظر الإمارات إلى الكويت باعتبارها شريكاً خليجياً يتمتع بثقل سياسي واقتصادي، إضافة إلى سياسة خارجية متوازنة وعلاقات جيدة مع مختلف الأطراف، وهو ما يجعلها هدفاً مهماً في أي استراتيجية إماراتية لإعادة صياغة التوازنات الخليجية.

ويرى مراقبون أن وصول أمير جديد للكويت يتمتع بعلاقات إيجابية مع القيادة الإماراتية، إلى جانب المتغيرات الأمنية التي فرضتها المواجهة الأمريكية الإيرانية الأخيرة، قد يوفران فرصة لأبوظبي لتعزيز حضورها داخل الكويت بصورة أكبر.

ومع ذلك، فإن العلاقات الاستراتيجية العميقة بين السعودية والكويت، وفي مقدمتها ملفات المنطقة المقسومة وحقل الدرة والتنسيق الأمني والدفاعي، تجعل من الصعب حدوث تحول جذري في التموضع الكويتي، وهو ما يدفع الإمارات إلى اعتماد سياسة التدرج وتعميق الشراكات الثنائية بدلاً من محاولة إحداث اصطفاف مباشر.

القوة الناعمة أداة للتوسع:

ويرى باحثون أن النشاط الثقافي والاقتصادي المتزايد بين الإمارات والكويت خلال الفترة الأخيرة لا يمكن عزله عن استراتيجية القوة الناعمة التي تنتهجها أبوظبي لتعزيز نفوذها الإقليمي.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن الإمارات كثفت خلال الأشهر الماضية المبادرات الاقتصادية والثقافية والإعلامية الهادفة إلى تعميق العلاقات الرسمية والشعبية مع الكويت، ضمن رؤية أشمل تقوم على توسيع نفوذها السياسي داخل الخليج عبر أدوات غير تقليدية.

هل يتشكل محور خليجي موازٍ؟:

يعتقد بعض المراقبين أن الإمارات تعمل على بناء تكتل خليجي أكثر استقلالاً عن النفوذ السعودي، إلا أن تحقيق هذا الهدف سيحتاج إلى وقت طويل، في ظل استمرار امتلاك الرياض أوراق تأثير مهمة على مختلف دول مجلس التعاون.

ويقدر محللون أن أبوظبي تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في توسيع هامش حركتها السياسية داخل المجلس، ومنع تشكل إجماع خليجي تقوده السعودية في الملفات الخلافية، وتعزيز مكانتها باعتبارها مركزاً موازياً للتأثير السياسي والاقتصادي في المنطقة.

وفي هذا السياق، يطرح المراقبون سيناريوهين رئيسيين للفترة المقبلة؛ الأول يتمثل في استمرار المنافسة المنضبطة، بحيث يواصل الطرفان إدارة خلافاتهما ضمن سقف الشراكة الخليجية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مع استمرار التنافس الاقتصادي والسياسي.

أما السيناريو الثاني فيقوم على تعميق الاستقطاب داخل مجلس التعاون واتساع دائرة الخلافات لتشمل مزيداً من الملفات الإقليمية، بما يدفع كل طرف إلى تعزيز شبكة تحالفاته الخليجية بصورة أكبر.

وعليه يمكن القول:

تعكس زيارة محمد بن زايد إلى الكويت، وفق هذا التحليل، أكثر من مجرد محطة في إطار العلاقات الثنائية، إذ تبدو جزءاً من استراتيجية إماراتية أوسع لإعادة توزيع موازين النفوذ داخل الخليج، في وقت تتراجع فيه مساحة التوافق التقليدي مع السعودية لصالح منافسة متعددة الأبعاد تشمل السياسة والاقتصاد والطاقة والجغرافيا الاستراتيجية.

ورغم أن الحديث عن ولادة محور خليجي جديد لا يزال سابقاً لأوانه، فإن المؤشرات توحي بأن أبوظبي تعمل على بناء منظومة علاقات تمنحها قدرة أكبر على موازنة الثقل السعودي داخل مجلس التعاون. وفي المقابل، ستسعى الرياض إلى الحفاظ على موقعها القيادي ومنع تشكل أي اصطفافات قد تحد من نفوذها.

وبذلك، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة من التنافس الاستراتيجي طويل الأمد بين القوتين الخليجيتين، وهو تنافس مرشح لأن يبقى تحت سقف المصالح المشتركة، لكنه سيستمر في إعادة رسم خرائط التحالفات والتوازنات داخل الخليج خلال السنوات المقبلة.ش

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com