“تقرير“| شح السيولة في مناطق الشرعية: أزمة كاش أم خلل في إدارة الكتلة النقدية..!
أبين اليوم – خاص
ما يحدث اليوم في أسواق الصرف في مناطق الشرعية ليس مجرد “شح نقدي” اعتيادي يمكن تجاوزه بضخ مزيد من النقود، بل هو انعكاس صارخ لفشل ممنهج في إدارة الكتلة النقدية، وتحول الاقتصاد المحلي إلى ساحة صراع بين مصالح كبار التجار ورغبات البنوك المركزية.
الريال اليمني موجود، لكنه خارج التداول الفعلي، محتجز في أيدي نخبة من الفاعلين الذين يختبئون خلف ثبات سعر الصرف لاستغلاله كأداة للربح والضغط على السوق.
النتيجة ليست مجرد نقص نقدي، بل صناعة أزمة اصطناعية تمارس فيها الطبقة المالية الضاغطة سيطرة فعلية على حركة المال، فتقود المواطنين إلى حرمان يومي من أبسط أدوات التداول، بينما تُترك الأسواق تتأرجح بين الاضطراب والخوف من الصدمات النقدية.
باختصار، ما نشهده ليس نقصاً عابراً، بل هو انقلاب هادئ على وظيفة العملة نفسها، حيث تحولت من وسيلة للتبادل إلى أداة احتكار واستنزاف للقدرة الشرائية للجمهور، ما يعكس هشاشة الدولة المؤسسية وضعف أي رؤية استراتيجية حقيقية لإدارة السيولة.
هذه الأزمة تكشف الوجه المظلم للتعامل مع الاقتصاد المحلي: كل خطوة فنية، من ضخ السيولة إلى إعادة توزيعها، قد تتحول إلى فخ إذا لم تُدار بحذر مدروس، لأن السوق اليوم أصبح أكثر حساسية وأقل تسامحاً مع أي تحرك غير محسوب.
إنها لحظة فاصلة: إما إعادة الريال إلى الحياة الاقتصادية الطبيعية، أو الانزلاق تدريجياً إلى فوضى نقدية تؤدي إلى انهيار شامل في القدرة الشرائية والثقة بالمؤسسات المالية.
وتشهد أسواق الصرف في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً حالة غير مسبوقة من شح السيولة بالريال اليمني، رغم استمرار التعامل بالعملة المحلية في مختلف الأنشطة اليومية، وهو ما يثير تساؤلات واسعة حول ما إذا كان المشهد يعكس أزمة نقدية فعلية أم خللاً في إدارة وتوزيع الكتلة النقدية داخل السوق.
وتعود جذور هذه الظاهرة إلى مرحلة استقرار سعر الصرف التي تحققت قبل أكثر من عام، والتي دفعت شريحة كبيرة من كبار التجار والفاعلين في السوق إلى الاحتفاظ بكميات كبيرة من الريال اليمني، مستفيدين من ثبات السعر وإمكانية التحول إلى العملات الأجنبية في أي وقت دون خسائر تذكر. ومع الوقت، تحوّل هذا السلوك الفردي إلى ظاهرة اكتناز واسعة، خرجت بسببها كميات ضخمة من النقد المحلي من دائرة التداول.
وبالتوازي، شهد السوق تدفقاً متزايداً للعملات الأجنبية، خصوصاً بعد تشديد الإجراءات على أنشطة غسل الأموال التي كانت تضخ سيولة كبيرة سابقاً، ما أوجد اختلالاً مزدوجاً تمثل في فائض نسبي في العملات الأجنبية مقابل انكماش حاد في السيولة المحلية المتداولة.
وخلال فترة الاستقرار النقدي، لم تكن آثار هذا الاكتناز واضحة، غير أن تداعياته بدأت تظهر تدريجياً على شكل نقص ملموس في السيولة المتاحة للمواطنين، الأمر الذي انعكس على حركة البيع والشراء، وأوجد صعوبات متزايدة في تلبية الاحتياجات اليومية.
وفي الوقت الراهن، يمتلك البنك المركزي اليمني – عدن كميات من النقد المحلي، غير أن إعادة ضخها في السوق – وفق تقديرات مصرفية – لا تُعد خطوة سهلة، في ظل مخاوف من أن يؤدي الضخ السريع إلى ردود فعل عكسية من كبار التجار، قد تدفعهم إلى تحرير ما لديهم من سيولة دفعة واحدة، بما يهدد بحدوث تقلبات حادة في سعر الصرف.
وتشير التقديرات إلى أن معالجة الاختلال القائم تتطلب تنسيقاً تدريجياً ومدروساً مع كبار الفاعلين في السوق، بما يضمن إعادة السيولة إلى التداول دون التسبب في موجات هلع أو صدمات تضخمية، وبما يحافظ على الاستقرار النقدي في عدن وبقية المناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة في اليمن.
في المحصلة، ما يحدث اليوم لا يعكس غياب العملة بقدر ما يعكس خللاً في توزيعها داخل السوق. التحدي الحقيقي لا يكمن في طباعة المزيد من النقود، بل في إدارة الكتلة النقدية القائمة بذكاء، وإعادة الثقة إلى الدورة المالية الطبيعية. وبين الحذر المطلوب والضرورة الملحّة، تبقى قدرة الجهات المعنية على تحقيق هذا التوازن هي العامل الحاسم في استعادة الاستقرار النقدي وتعافي السوق المحلية.
تحليل:
ما تشهده مناطق الشرعية اليوم لا يمكن توصيفه كأزمة نقص نقد مطلق، بل كأزمة توزيع واختلال في سرعة دوران الكتلة النقدية داخل السوق. فالريال اليمني موجود فعلياً، لكنه محتجز خارج الدورة الاقتصادية بفعل سلوك اكتنازي اتخذه كبار التجار خلال مرحلة الاستقرار، حين تحولت العملة المحلية من أداة تبادل إلى مخزن قيمة مؤقت في انتظار أي تغيرات محتملة في سعر الصرف.
المفارقة الأهم أن الاستقرار الذي كان يُفترض أن يعزز النشاط الاقتصادي، هو ذاته الذي شجع على تعطيل جزء كبير من السيولة. ومع تراكم هذا السلوك، انتقل السوق من وضع التوازن الظاهري إلى حالة انكماش نقدي فعلي لدى الجمهور والقطاع الصغير، بينما تركزت الكتلة النقدية في أيدي عدد محدود من الفاعلين الكبار.
خطورة المرحلة الحالية لا تكمن في حجم السيولة المتوفرة لدى البنك المركزي، بل في كيفية إدارتها. فالضخ غير المحسوب قد يتحول من حل إلى محفز لاضطراب جديد، إذا ما قرأه كبار التجار كمؤشر على تغير وشيك في السياسة النقدية، ودفعهم ذلك إلى تحرير مخزونهم دفعة واحدة، بما يخلق صدمة عرض نقدي مفاجئة.
وعليه، فإن جوهر المعركة النقدية اليوم ليس طباعة نقود جديدة، بل استعادة وظيفة الريال كوسيط تبادل فعلي داخل السوق، عبر إدارة ذكية ومتدرجة للسيولة، وتفاهمات غير معلنة مع كبار الفاعلين الماليين. نجاح هذا المسار هو وحده الكفيل بإعادة الحيوية للدورة النقدية، ومنع تحوّل شح السيولة الحالي إلى أزمة ثقة أعمق في النظام المالي المحلي.