تحركات استخباراتية سعودية في المهرة تمهيداً لمشروع أنبوب نفطي يثير مخاوف الصراع..!
أبين اليوم – خاص
في المهرة، لا تتحرك الجغرافيا بمعزل عن السياسة، ولا تُفهم التحركات الأمنية خارج معادلة الطاقة والنفوذ. ما يجري اليوم يتجاوز إرسال مسؤول أمني أو إعادة ترتيب انتشار عسكري؛ إنه إعادة إحياء لمشروع استراتيجي ظل لسنوات مؤجلاً بانتظار اللحظة الإقليمية المناسبة. هذه اللحظة تبدو أنها قد حانت مع تصاعد المخاطر في مضيق هرمز، وتحول أمن الممرات البحرية إلى عامل ضغط مباشر على اقتصادات الدول النفطية.
في هذا السياق، تتحول المهرة من هامش جغرافي هادئ إلى عقدة استراتيجية محتملة، حيث يتقاطع مشروع أنبوب النفط مع حسابات السيادة المحلية، واعتبارات القبائل، وصراع النفوذ الإقليمي. التحركات السعودية تعكس إدراكاً متزايداً بأن أمن الطاقة لم يعد يُحمى فقط عبر التحالفات العسكرية، بل عبر خلق بدائل جغرافية تقلل الاعتماد على نقاط الاختناق.
غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع أكثر تعقيداً: بيئة محلية حساسة تجاه أي وجود خارجي، وإرث من الرفض الشعبي للمشاريع العابرة دون توافق وطني. وبين منطق “الأمن الاستراتيجي” الذي تدفع به الرياض، ومنطق “السيادة المحلية” الذي تتمسك به القبائل، تتشكل ملامح صراع صامت قد يتحول في أي لحظة إلى مواجهة مفتوحة، إذا لم تُدار هذه المعادلة بحذر يتجاوز الأدوات الأمنية إلى تسويات سياسية أعمق.
– جس نبض:
أرسلت “اللجنة الخاصة السعودية”، “رئيس الجهاز المركزي لأمن الدولة” في الحكومة التابعة للرياض، المدعو “محمد مصلح عيضة”، إلى مطار الغيضة بمحافظة المهرة، على متن طائرة لسلاح الجو الملكي، في مهمة أمنية جديدة شرقي اليمن.
وأكدت مصادر مطلعة أن المهمة التي ينفذها “عيضة”، تهدف إلى تعزيز التنسيق وتقييم الأداء الأمني بشكل شامل، كخطوة استباقية قبل شروع الرياض في تنفيذ مشروع مد أنابيب النفط من أراضيها عبر الأراضي اليمنية وصولاً إلى بحر العرب.

وأضافت المصادر أن “عيضة” بدأ عقب وصوله على متن طائرة إلى مطار الغيضة السبت الماضي، بعقد سلسلة لقاءات مكثفة شملت قيادات في السلطة المحلية ومشايخ القبائل، ناقشت جميعها “الخطة الأمنية الجديدة” التي تهدف لتنسيق الجهود بين مختلف الفصائل المسلحة الموالية للتحالف في المهرة، وضمان تأمين المسارات المقترحة للمشروع.
وأوضحت أن مهمة “عيضة” إلى المهرة تتمحور على رفع تقرير مفصل ودقيق حول كفاءة الأداء الأمني في المحافظة، ومناقشة التحديات القائمة التي قد تعيق تنفيذ المشروع السعودي، وجس نبض التوجهات القبلية ومعرفة آراء القوى الاجتماعية المؤثرة تجاه التحركات السعودية في المناطق الحدودية.
وحضر “عيضة” أمس الأحد تخرج دورة عسكرية متخصصة للقوات الموالية للسعودية في مجال الدبابات والتدريب على مدفع “23” ومدفع الهاون، في محور الغيضة، ضمن برنامج تدريبي واسع تنفذه تلك القوات التي أسندت قيادتها لعناصر من الجماعات السلفية.

ويعد وصول المسؤول الاستخباراتي إلى المهرة بمثابة محاولة سعودية لضبط التوازنات الأمنية بما يخدم مصالحها النفطية، في وقت تزداد فيه المخاوف من تحول المهرة إلى ساحة صراع دولي نتيجة المشاريع العابرة للحدود.
يأتي ازدياد الاهتمام السعودي بمحافظة المهرة وحضرموت منذ الأشهر الأولى للحرب على اليمن في 2015، لتحقيق مشروعها القديم في مد أنبوب النفط عبر الأراضي اليمنية في المهرة إلى بحر العرب.
وتصاعدت مؤخراً حدة التوترات الإقليمية عقب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وإقدام طهران على إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي رداً على الحصار الأمريكي المفروض عليها، مما يجعل من مشروع مد أنبوب النفط عبر المهرة إلى بحر العرب خياراً مصيرياً لتصدير النفط السعودي بعيداً عن تهديدات المضايق، وتمريره عبر الحكومة التابعة لها، وسط رفض الحكومة في صنعاء.
وكان قد تداول ناشطون من أبناء المهرة والمحافظات الجنوبية وصول ناقلات على متنها أنابيب عملاقة إلى المهرة، أكدوا بأنها خاصة بالمشروع النفطي السعودي، دون أي توضيح أو نفي ذلك من قبل السلطات المحلية والحكومة التابعة للرياض.

ويصطدم الطموح السعودي في المهرة بإرث طويل من الرفض القبلي والشعبي، حيث قادت قبائل المهرة حراكاً مستمراً ضد التواجد العسكري منذ وصول القوات السعودية إلى ميناء نشطون نهاية عام 2017، التي يرى أبناء الشعب اليمني بأن مد الأنبوب النفطي السعودي انتهاكا للسيادة الوطنية.
يأتي ذلك بعد أن قام أبناء قبائل المهرة في 2018 بقلع العشرات من الشارات الإسمنتية الخاصة بمسار أنبوب النفط السعودي، عقب تعقبهم للأعمال الإنشائية التي كانت تمتد بصمت على الشريط الحدودي داخل الأراضي اليمنية، مما أدى حينها إلى تعثر المشروع، لتعود مجددا عقب احكام سيطرتها الكاملة على المهرة بواسطة فصائل “درع الوطن” التابعة لها، وطرد كافة الفصائل الموالية للانتقالي الجنوبي “المنحل” نهاية ديسمبر الماضي واستهدافها بالطيران في المهرة ومديريات وادي حضرموت.
تحليل:
التحرك السعودي في المهرة يتجاوز كونه إجراءً أمنياً إلى كونه إعادة تفعيل لمشروع استراتيجي مؤجل، يرتبط مباشرة بأمن الطاقة السعودي في ظل التهديدات المتزايدة للممرات البحرية.
إرسال شخصية أمنية بهذا المستوى يعكس إدراكاً لحساسية الملف، ومحاولة استباق أي اعتراضات محلية أو اضطرابات قد تعرقل التنفيذ.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في الجوانب الأمنية فقط، بل في البعد الاجتماعي والسيادي؛ إذ إن تجاهل المواقف القبلية الرافضة قد يحول المشروع من فرصة اقتصادية إلى بؤرة توتر مزمنة.
ومع تصاعد التنافس الإقليمي والدولي على الممرات البديلة، تبدو المهرة مرشحة للتحول إلى نقطة احتكاك جيوسياسي مفتوح، ما لم تُدار هذه التحركات بتوازن سياسي يراعي تعقيدات الداخل اليمني.