مضيق باب المندب.. رويترز: لماذا يتضاعف القلق العالمي من هذا المضيق..!
أبين اليوم – خاص
يتصدر مضيق باب المندب اليوم قائمة أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية في البحر الأحمر وخليج عدن، وما يرافقها من مخاوف متزايدة بشأن أمن الطاقة والتجارة الدولية. فالمضيق لم يعد مجرد ممر بحري عابر، بل تحول إلى نقطة ارتكاز رئيسية في هندسة تدفق النفط وسلاسل الإمداد العالمية.
ويمثل باب المندب بوابة الربط الأساسية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس، ما يجعله أحد أهم الشرايين التي تمر عبرها تجارة النفط والسلع بين آسيا وأوروبا. وتنبع خطورته من أن أي اضطراب في حركة الملاحة داخله ينعكس فوراً على تكاليف النقل وأسعار الطاقة والتأمين البحري.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز المنقولة بحراً تعتمد على هذا الممر، الأمر الذي يجعل أي تهديد للملاحة فيه عاملاً مؤثراً في قرارات شركات الشحن العالمية، سواء عبر تغيير خطوط السير أو رفع رسوم التأمين أو تقليص عدد الرحلات.
وبحسب تحليلات وتقارير دولية نشرتها وكالة “رويترز”، فإن التحول الأبرز الذي ضاعف من أهمية باب المندب يتمثل في إعادة توجيه جزء متزايد من صادرات النفط الخليجية نحو موانئ البحر الأحمر، وعلى رأسها ميناء ينبع السعودي، بهدف تقليل الاعتماد على المسارات المهددة بالتوترات في الخليج العربي ومضيق هرمز.
هذا التحول لم يكن تقنياً فحسب، بل فرضته معادلات أمنية وسياسية متغيرة في المنطقة، دفعت الدول المصدرة للنفط إلى البحث عن بدائل تضمن استمرار تدفق الإمدادات حتى في أوقات التصعيد العسكري. ونتيجة لذلك، أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءاً أساسياً من شبكة الطاقة العالمية، وليس مجرد ممر تجاري ثانوي.
وفي هذا السياق، اكتسب باب المندب أهمية مضاعفة، إذ بات يشكل خط إمداد مباشراً لصادرات الطاقة القادمة من موانئ البحر الأحمر. وبالتالي فإن أي اضطراب فيه لا يؤثر فقط على حركة السفن التجارية، بل يمتد تأثيره إلى تدفق النفط نفسه عبر المسارات البديلة التي جرى تطويرها خلال السنوات الأخيرة.
وتشير تقديرات إلى أن السعودية رفعت بالفعل من اعتمادها على مسار البحر الأحمر في تصدير جزء من إنتاجها النفطي، ما جعل أمن باب المندب يرتبط بصورة مباشرة باستقرار أسواق الطاقة العالمية، وليس فقط بحركة التجارة البحرية.
ورغم احتفاظ مضيق هرمز بمكانته كأحد أهم الممرات النفطية في العالم، فإن التغيرات في أنماط التصدير عززت من دور البحر الأحمر وباب المندب كممر موازٍ لا يمكن تجاهله، خصوصاً مع تنامي الاعتماد عليه لتجاوز المخاطر الجيوسياسية في الخليج.
ومع تصاعد الهجمات والتهديدات في البحر الأحمر، أصبحت معادلة أمن الطاقة أكثر تعقيداً، إذ لم يعد الخطر محصوراً في مضيق واحد، بل بات يشمل شبكة مترابطة من الممرات وخطوط التصدير البديلة، تبدأ من هرمز وتمتد إلى باب المندب والبحر الأحمر.
وعليه يمكن القول:
تكمن خطورة باب المندب اليوم في أنه تحول من مجرد ممر جغرافي إلى عقدة استراتيجية تتحكم بجزء متزايد من تدفقات النفط العالمية.
وتعكس الحساسية المتصاعدة تجاه باب المندب تحوّلاً عميقاً في خريطة الطاقة العالمية، حيث لم يعد أمن الاقتصاد الدولي مرتبطاً فقط بحقول النفط ومناطق الإنتاج، بل بالممرات البحرية التي تتحكم بتدفقه.
ومع انتقال جزء متزايد من صادرات الخليج إلى البحر الأحمر، أصبح باب المندب بمثابة “صمام توازن” للأسواق العالمية، بحيث إن أي اضطراب فيه لا يهدد حركة الملاحة وحدها، بل يضرب مباشرة استقرار أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
والأخطر أن العالم بات يواجه اليوم شبكة مترابطة من نقاط الاختناق البحرية، تبدأ من هرمز ولا تنتهي عند باب المندب، ما يعني أن أي تصعيد إقليمي قد يتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية عالمية واسعة النطاق.
ولهذا لم يعد الصراع حول هذا المضيق مرتبطاً بالجغرافيا فقط، بل بالصراع على التحكم بمفاصل الاقتصاد العالمي نفسه، في لحظة تتزايد فيها هشاشة الأسواق واعتماد الدول الكبرى على استقرار هذه الممرات الحيوية.