“تقرير“| السعودية تعيد ترتيب أوراقها بكيانات جديدة بعد حل الانتقالي.. هل اقتربت ساعة الانفجار..!
أبين اليوم – تقارير
تواجه مدينة عدن وبقية المحافظات الجنوبية والشرقية منعطفا سياسيا في ظل صراع نفوذ إقليمي خفي بين السعودية والإمارات، عقب تقليص دور الأخيرة وتفكيك القوى الموالية لها، مما وضع المنطقة على فوهة بركان من الاحتقان السياسي والشعبي.
ويستعد المجلس الانتقالي الجنوبي “المنحل”، بموجب القرار السعودي في يناير الماضي، لفرض واقع جديد في عدن والمناطق المجاورة في الرابع من مايو المقبل، عبر تظاهرات جماهيرية كبرى يتوقع أن تجتاح الساحات والمؤسسات السيادية بعدن وغيرها ردا على قرار حل المجلس ورفضا لما وصفه مؤيدوه بـ “الوصاية” السعودية.
وتأتي تحركات “الانتقالي” الميدانية كردا على سياسة تفريخ المكونات الجنوبية برعاية من “اللجنة الخاصة السعودية”، وهي السياسة التي تكثفت عقب قرار حل المجلس تزامنا مع استمرار إخضاع القيادات الموالية للمجلس للإقامة الجبرية في الرياض للشهر الرابع على التوالي.
ومنذ صدور قرار حل الانتقالي، لم يظهر رئيس المجلس “عيدروس الزبيدي” للعلن، وسط حالة من الغموض تكتنف مصيره عقب مغادرته عدن صوب الصومال بحرا ومنها إلى الإمارات وفق الرواية السعودية، حيث غاب عن الأنظار منذ مطلع يناير الماضي، وسط أنباء متضاربة تشير تارة إلى احتجازه في أحد المعسكرات السعودية، وتارة أخرى إلى مقتله في غارات استهدفت مسقط رأسه في الضالع.
وعلى وقع تشكيل المكونات الجديدة، شن ناشطون موالون للانتقالي هجوما لاذعا على السعودية، واصفين الكيانات التي تنشئها اللجنة الخاصة بـ “الكرتونية”، مؤكدين أنه يتم الدفع بها ماليا وإعلاميا في محاولة لسحب البساط من تحت أقدام الانتقالي الذي عجزت الرياض عن إزاحته كليا، وإغلاق مقراته بعدن وبقية المناطق.
ويواجه المشروع السعودي في عدن والمحافظات الجنوبية رفضا شعبيا واسعا بسبب تفكيك الفصائل الموالية للانتقالي وسحب أسلحتها الثقيلة بذريعة “الدمج” وفق رؤية وزير الدفاع الموالي لحزب الإصلاح في الحكومة التابعة للسعودية “طاهر العقيلي”، والسعي لإعادة قيادات الحزب إلى عدن تحت ذرائع سياسية متجددة.
ويرى مراقبون جنوبيون أن السعودية تسعى لإثارة الفتنة بين أبناء الجنوب عبر انشاء مكونات مناهضة للمجلس الانتقالي التابع للإمارات، بالتوازي مع رفض الرياض عودة القيادات الجنوبية إلى عدن، وإبقائهم رهن الإقامة الجبرية تحت مزاعم “الحوار الجنوبي – الجنوبي” الذي لم يتحقق منذ يناير الماضي، في حين رفضت بعض القيادات الإغراءات المالية السعودية للانضمام إلى كيانات وصفت بـ “المصطنعة” تخدم المصالح الاقتصادية والعسكرية للرياض.
وتحاول المملكة فرض واقع سياسي بديل، وسط تحذيرات شديدة اللهجة من صدام وشيك بين المكونات الجديدة والشارع الجنوبي الذي يرفض سياسة “لي الأذرع”، تزامنا مع اتهامات سياسية وعسكرية للرياض بإدارة عدن والمناطق الجنوبية عبر الفوضى والإرهاب، كغطاء لتنفيذ مشروعها الاستراتيجي المتمثل في مد أنبوب للنفط الخام من أراضيها عبر المهرة وصولا إلى بحر العرب.
بينما لم تلتفت السعودية لتفاقم الأوضاع الاقتصادية في عدن والمناطق الخاضعة لسيطرتها، رغم الانهيار المعيشي والخدمي غير المسبوق الذي يتجرع المواطنون مرارته بصورة يومية، وسط دعوات جماهيرية متصاعدة بضرورة السيطرة على قصر معاشيق الذي تتخذه الحكومة التابعة للرياض مقرا لها خلال فعالية الرابع من مايو، لإنهاء ما يصفه الشارع بـ “الاحتلال المقنع”.
وعليه يمكن القول:
في نهاية المشهد، تبدو عدن وبقية الجنوب وكأنه يُدار داخل مختبر مفتوح لإعادة تشكيل النفوذ، حيث لا تُقاس التحولات بميزان الاستقرار بقدر ما تُقاس بمدى نجاح كل طرف في كسر الآخر أو احتوائه. هذا الصراع، الذي يُقدَّم في الخطاب السياسي كـ“إعادة ترتيب” أو “تصحيح مسار”، يتجرد عملياً إلى هندسة قسرية لفراغ سياسي تتسابق القوى الإقليمية على ملئه، بينما تُترك الأرض لتداعيات الانقسام والاحتقان.
الخطير في اللحظة الراهنة ليس فقط تعدد اللاعبين، بل تحوّل الجنوب نفسه إلى ساحة اختبار مفتوحة تُدار فيها التوازنات عبر أدوات الوكالة، وتُستبدل فيها الشراكات المحلية بمنظومات ولاء مؤقتة قابلة للتفكيك عند أول تغير في الحسابات. وفي ظل هذا النسق، يصبح “الاستقرار” مجرد شعار تفاوضي، بينما الواقع يتجه تدريجياً نحو مزيد من التشظي وتآكل المركز.
وإذا استمر منطق فرض الوقائع بالقوة الناعمة والخشنة معاً، دون إنتاج تسوية سياسية حقيقية تعترف بتركيبة المجتمع وتوازناته، فإن ما يُبنى اليوم قد لا يكون سوى طبقة جديدة فوق أرض غير مستقرة، قابلة للانفجار عند أول ضغط جاد.