“تقرير“| موقع “أوريكس أوبزرفر”: ما السر وراء فشل السعودية في بناء قاعدة شعبية داخل اليمن..!
أبين اليوم – تقارير
يرى تقرير تحليلي نشره موقع “أوريكس أوبزرفر” أن السعودية، رغم أكثر من عشر سنوات من التدخل العسكري والسياسي والمالي في اليمن، لم تتمكن من بناء قاعدة شعبية موالية لها داخل البلاد، الأمر الذي يضع مشروعها في اليمن أمام معضلة استراتيجية تتعلق بغياب الحلفاء المحليين القادرين على تمثيل نفوذها على الأرض.
وأوضح التقرير أن الرياض بررت تدخلها منذ عام 2015 باستعادة “الشرعية” وحماية أمنها القومي وضمان استقرار اليمن، إلا أن الحصيلة الفعلية، وفق الموقع، تكشف عن غياب أي تيار سياسي أو شعبي واسع يتبنى المشروع السعودي أو يدافع عنه بوصفه خياراً وطنياً.
– الجنوب.. نفوذ الانتقالي لا النفوذ السعودي:
وأشار التقرير إلى أن أوضح مظاهر هذا الفشل تتجلى في جنوب اليمن، حيث أصبح المجلس الانتقالي الجنوبي القوة السياسية والعسكرية الأكثر تنظيماً في معظم المحافظات الجنوبية، مستنداً إلى مشروع قومي يقوم على استعادة دولة الجنوب، وليس إلى تبني الرؤية السعودية أو الدفاع عن مصالحها.
وأضاف أن تدهور العلاقات بين الرياض والمجلس الانتقالي كشف حجم الفجوة بين الطرفين، إذ شهدت مدن جنوبية عدة تظاهرات وفعاليات مناهضة للسياسات السعودية، في مؤشر على أن المزاج الشعبي في الجنوب لا يتماهى مع المشروع السعودي.
ولفت التقرير إلى أن اتهامات متكررة وجهها إعلاميون ومعلقون سعوديون للمجلس الانتقالي بخدمة الأجندة الإماراتية تعكس في حد ذاتها حالة انعدام الثقة بين الرياض وأحد أبرز شركائها المفترضين في اليمن، بما يؤكد هشاشة النفوذ السعودي حتى داخل المعسكر المناهض لأنصار الله.
– الشمال.. خصومة راسخة مع الرياض:
وفي المقابل، يرى التقرير أن المشهد في شمال اليمن أكثر وضوحاً، إذ بنت جماعة أنصار الله مشروعها السياسي منذ البداية على معارضة السعودية، ورسخت سنوات الحرب والمواجهات الحدودية هذا العداء ليصبح جزءاً من هويتها السياسية.
وأضاف أن السعودية نفسها تصنف أنصار الله باعتبارهم حليفاً لإيران، وهو ما يعني، وفق منطق الرياض، أن المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة لا يمكن اعتبارها امتداداً لنفوذها، الأمر الذي يطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كان الجنوب يقوده مشروع قومي مستقل، والشمال يخضع لقوة معادية للسعودية، فأين يتمثل النفوذ الشعبي السعودي داخل اليمن؟
– الحكومة المعترف بها.. شرعية خارجية بلا قاعدة شعبية:
ويرى التقرير أن الإجابة التقليدية التي تقدمها الرياض تكمن في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، غير أن هذه الإجابة، بحسب الموقع، أصبحت منفصلة عن الواقع السياسي والاجتماعي داخل اليمن.
وأوضح أن العديد من الشخصيات التي تمثل الحكومة أمضت سنوات طويلة خارج البلاد، وبالتحديد في السعودية، ما جعلها تحتفظ بشرعية دبلوماسية مستمدة من الاعتراف الدولي، لكنها تفتقر إلى حضور جماهيري حقيقي داخل المجتمع اليمني.
وأشار إلى أن هذه القيادات تستطيع المشاركة في المؤتمرات الدولية وإصدار البيانات الرسمية، لكنها عاجزة عن حشد الشارع أو بناء قاعدة سياسية واسعة داخل اليمن.
– المال والحرب لا يصنعان الشرعية:
وأكد التقرير أن السعودية أنفقت مليارات الدولارات، وقادت تحالفاً عسكرياً واسعاً، وأثرت في مسارات التفاوض، وسعت إلى رسم مستقبل النظام السياسي اليمني، إلا أنها لم تتمكن، بعد كل تلك السنوات، من إنتاج حركة يمنية واحدة تعلن انتماءها السياسي للمشروع السعودي بصورة واضحة.
وأضاف أن النفوذ القائم على التمويل أو التبعية السياسية يختلف جذرياً عن النفوذ القائم على التأييد الشعبي، فالأموال قد تشتري تحالفات مؤقتة، والقوة العسكرية قد تغير موازين المعارك، والدبلوماسية قد تمنح اعترافاً دولياً، لكن أياً من ذلك لا يصنع شرعية سياسية مستدامة.
– نفوذ إعلامي أكثر منه شعبي:
ويرى التقرير أن السعودية تبدو أكثر حضوراً في الخطاب الإعلامي والدبلوماسي من حضورها الفعلي داخل اليمن، إذ توحي البيانات الرسمية والتحركات السياسية بامتلاكها نفوذاً واسعاً، بينما تكشف الوقائع الميدانية صورة مختلفة.
فالقوة المهيمنة في شمال اليمن تعادي السعودية بشكل صريح، بينما تتبنى القوة الأكثر نفوذاً في الجنوب مشروعاً سياسياً مستقلاً اصطدم مراراً بالرياض، في حين تستند الحكومة المعترف بها إلى دعم خارجي أكثر من استنادها إلى قاعدة شعبية داخلية.
وعليه يمكن القول:
يقدم التقرير قراءة نقدية للاستراتيجية السعودية في اليمن، تقوم على التمييز بين النفوذ الرسمي القائم على الاعتراف الدولي والدعم المالي، والنفوذ الشعبي الذي يتجسد في وجود قوى محلية تتبنى المشروع السياسي للدولة الداعمة وتدافع عنه باعتباره خياراً وطنياً.
وبصرف النظر عن دقة جميع استنتاجات التقرير أو اختلاف وجهات النظر حولها، فإنه يسلط الضوء على إشكالية حقيقية واجهت السياسة السعودية خلال سنوات الحرب، تتمثل في صعوبة تحويل النفوذ العسكري والمالي إلى حاضنة سياسية واجتماعية مستدامة داخل اليمن. كما يعكس استمرار التباينات بين القوى اليمنية الحليفة للرياض، وصعود مشاريع سياسية ذات أجندات مستقلة، حدود القدرة السعودية على تشكيل مشهد سياسي متماسك يخدم مصالحها طويلة الأمد.
وفي ضوء هذه المعطيات، يخلص التقرير إلى أن السعودية ما زالت لاعباً إقليمياً مؤثراً في الملف اليمني، إلا أن هذا التأثير يعتمد بدرجة كبيرة على أدوات الدولة والدبلوماسية والتحالفات الخارجية، أكثر من اعتماده على وجود قاعدة شعبية يمنية واسعة تتبنى المشروع السعودي بصورة مستقرة ومستدامة.