“تحليل“| من حافة الهاوية إلى الاشتباك المفتوح: كيف يعيد العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران رسم قواعد الصراع في الإقليم..!
أبين اليوم – تقارير
تحليل| عبدالكريم مطهر مفضل:
مع الساعات الأولى لاندلاع العدوان العسكري الأمريكي “الإسرائيلي” على إيران، بدا المشهد الإقليمي وكأنه انتقل من سياسة “حافة الهاوية” إلى اشتباك مباشر متعدد الساحات.
الضربات الجوية الأولى، والرد الإيراني السريع باستهداف قواعد أمريكية في كافة المنطقة وفي عمق كيان الاحتلال الإسرائيلي بهذه الكثافة الغير مسبوقة، كلّها مؤشرات على صراع يتجاوز الحسابات التكتيكية نحو إعادة رسم توازنات المنطقة.
في هذا التحليل نحاول التطرق إلى ثلاث نقاط متداخلة:
- – تداعيات الحرب على الإقليم
– دور ومشاركة أطراف محور المقاومة
– البعد الإنساني والقانوني للغارات التي طالت مرافق تعليمية ورياضية في إيران، مقابل طبيعة الرد الإيراني واستهداف القواعد الأمريكية.
أولاً: استهداف المرافق المدنية وتحوّل قواعد الاشتباك:
شهد اليوم الأول من العدوان على إيران ضربات جوية “إسرائيلية” مباشرة طالت مواقع مدنية داخل إيران، بينها مرافق تعليمية ورياضية، ما أثار جدلاً واسعاً حول قواعد الاشتباك وحدود الأهداف العسكرية المشروعة.
استهداف مدرسة في “ميناب” أدى إلى استشهاد أكثر من 101 تلميذة وصالة رياضية في “لامرد” أدى إلى استشهاد أكثر من 20 من لاعبات الكرة الطائرة، وضع العدوان منذ بدايته في مربع الاتهامات بانتهاك القانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استهداف المنشآت المدنية، كما حدث في حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة. النتيجة الفورية:
- – صدمة داخلية إيرانية عززت خطاب “الرد القاسي”.
– تعبئة شعبية وسياسية في طهران.
– تصعيد إعلامي ودبلوماسي على مستوى دولي.
ثانياً: القانون الدولي والشرعية:
استهداف الاحتلال الإسرائيلي مرافق تعليمية ورياضية في اليوم الأول تفتح ملف المساءلة القانونية. وفق اتفاقيات جنيف، تُعد المدارس والمرافق الرياضية منشآت مدنية محمية.
في المقابل، تسعى أمريكا وكيان الاحتلال الإسرائيلي إلى تبرير عملياتهما باعتبارها استهدافاً “لبنى قيادية وعسكرية”، فيما تصف طهران الهجمات بأنها عدوان غير مشروع.
ثالثاً: الرد الإيراني.. من الدفاع إلى الردع:
ردّت إيران بسلسلة ضربات صاروخية وطائرات مسيّرة، استهدفت مواقع عسكرية “إسرائيلية”، إضافة إلى استهداف قواعد أمريكية في الخليج بشكل غير معهود.
تاريخياً، اعتمدت طهران استراتيجية “الرد الشكلي بطبيعة ضبط النفس” وكذا الرد عبر مشاركة حلفائها الإقليميين في محور المقاومة.
لكن في هذه الجولة، بدا أن إيران انتقلت إلى مستوى رد مباشر أكثر وضوحاً وضراوة.
يقول الكاتب والمحلل السياسي اللبناني الدكتور ميخائيل عوض في حديثه: إن “إيران انتقلت من الرد إلى الردع وذلك في محاولة لترسيخ معادلة استهداف الداخل الإيراني سيقابله استهداف مصالح أمريكية وإسرائيلية في الإقليم”.
رابعاً: محور المقاومة.. تعدد الجبهات أم ضبط الإيقاع؟:
يشمل ما يُعرف بمحور المقاومة قوى إقليمية أبرزها: حزب الله في لبنان، و أنصار الله في اليمن و المقاومة الفلسطينية و فصائل المقاومة في العراق.
حتى الآن، تتباين المؤشرات بين انخراط تدريجي محسوب عبر ضربات محدودة أو تهديدات استراتيجية، أو ضبط الإيقاع لتفادي حرب شاملة متعددة الجبهات.
لكن أي توسع ميداني – خصوصاً من الجبهة اللبنانية في شمال فلسطين المحتلة أو جنوباً من اليمن في البحر الأحمر – سيعني عملياً انتقال الصراع إلى مستوى حرب إقليمية مفتوحة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الملاحة الدولية وأسواق الطاقة.
خامساً: الخليج بين الاستهداف والاحتواء:
الحديث عن استهداف قواعد أمريكية في دول الخليج يضع هذه الدول في موقف بالغ الحساسية. فهي من جهة تستضيف قوات أمريكية ضمن ترتيبات أمنية قديمة مما يعتبر – بحسب الأعراف السياسية والقانونية – أنها أراض أمريكية، ومن جهة أخرى تسعى إلى تجنب التحول إلى ساحات مواجهة.
التداعيات المحتملة تشمل:
- – ارتفاع أسعار النفط والغاز.
– اضطراب أسواق المال الإقليمية.
– ضغوط شعبية وسياسية داخل بعض الدول لعدم الانخراط في الحرب. - يرى الدكتور ميخائيل عوض أن “أي استهداف فعلي لقواعد أمريكية في الخليج يفتح الباب أمام ثلاث معادلات:
– تحييد المقاتلات الحربية الأمريكية بتلك القواعد تمهيدا لتوسيع نطاق العمليات البحرية في مياه الخليج ومضيق هرمز
– إغلاق خطوط إمداد الطاقة العالمية
– إدخال دول الخليج في معادلة الضغط العسكري والسياسي لطرد تلك القواعد من أراضيها.
سادساً: السيناريوهات المحتملة:
– احتواء سريع بوساطة دولية: وقف إطلاق نار محدود مع استمرار التوتر.
– تصعيد متدرج: ضربات متبادلة لأيام معدودة دون التورط في حرب وجود شاملة.
– انفجار إقليمي واسع: انخراط كامل لمحور المقاومة واستهداف شامل للقواعد الأمريكية في إطار ما يعرف بمعركة الوجود.. وهذا الاحتمال يبقى وارداً إذا استمرت الضربات على أهداف داخل العمق الإيراني أو توسع استهداف المصالح الأمريكية.
وعليه يمكن القول:
ما يجري اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد صراع ردود محسوبة أو إدارة اشتباك تحت سقف معيّن، بل هو انتقال عملي إلى كسر قواعد الردع التي استقر عليها الإقليم منذ عقود.
الأخطر في هذه الجولة ليس حجم الضربات بحدّ ذاته، بل الرسالة الاستراتيجية الكامنة خلفها: طهران لم تعد ترى أمنها الداخلي خطاً أحمر تفاوضياً، بل باتت تربطه مباشرة بأمن القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة.
في المقابل، تبدو واشنطن وتل أبيب وكأنهما تراهنان على قدرة السيطرة على التصعيد، بينما الوقائع الميدانية تقول إن أي خطأ تقدير إضافي قد يدفع الصراع سريعاً نحو شلّ شرايين الطاقة والملاحة، وعلى رأسها مضيق هرمز، وهو ما يعني أن كلفة المواجهة لن تعود محصورة في ساحات القتال، بل ستتحول إلى صدمة اقتصادية وسياسية عالمية.
بعبارة مختصرة: المنطقة لم تعد تقف على حافة الانفجار.. بل دخلت فعلياً نطاقه، وأي استمرار في استهداف العمق الإيراني سيجعل من استهداف العمق الأمريكي في الإقليم خياراً ثابتاً لا ورقة ضغط مؤقتة، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل قسرية لمعادلة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، لا مجرد تعديل في قواعد الاشتباك.