“مقالات“| سلامٌ دائم لا عداءٌ دائم: نحو عهدٍ جديد لحسن الجوار بين اليمن والسعودية..!

5٬992

أبين اليوم – خاص 

بقلم/ فيصل الخليفي

تمرُّ الأوطان بمنعطفات تاريخية تُجبرها على إعادة رسم خطوطها الحمراء، وليس هناك خطٌّ أكثر حمرةً من “السيادة الوطنية”. إن الحديث اليوم عن حلٍّ جذري للملَفّ اليمني لم يعد يحتمل المهدئات الدبلوماسية، أو ترحيل الأزمات، أو القبول بصيغٍ فضفاضة تُبقي اليمن تحت رحمة الوصاية الإقليمية.

إن ما يحتاجه اليمن، وتفرضه دماء أبنائه وتضحياتهم، هو صياغة واقع جديد يُنهي تماماً وبشكل حاسم “اليد السعودية” في الشأن اليمني، والانتقال من مربع التبعية المفروضة بقوة السلاح والحصار، إلى مربع الندّية الكاملة وحسن الجوار القائم على المبادئ المستقرة في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

أولاً: السيادة السياسية.. إسقاط التفويض العسكري وإلغاء مفاعيله:

إن أولى ركائز الحل الجذري تبدأ من استعادة القرار السياسي اليمني المستقل وإلغاء أي غطاء قانوني مشوه للتدخل الخارجي. بناءً على ذلك، فإن الخطوة الأولى الإلزامية تتمثل في:

إلغاء رسالة طلب التدخل العسكري: إلغاء مفعول الرسالة الموجهة في مارس 2015 والتي اتُخذت ذريعة للتدخل، واعتبار أي استمرار للوجود العسكري الأجنبي بعد هذا الإلغاء “فعل عدوان” صريح وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314.

إعلان أممي بإنهاء التحالف: صدور قرار رسمي من مجلس الأمن الدولي يعلن انتهاء مهام “تحالف دعم الشرعية” وسحب أي تفويض عسكري أو سياسي ضمني، ليعود اليمن بكامل جغرافيته تحت طائلة الإدارة السيادية المستقلة.

حظر التدخل في الشؤون الداخلية: تفعيل المادة (2) الفقرة (7) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر التدخل في الشؤون التي تدخل في الصميم المباشر لأي دولة، مما يعني رفع اليد السعودية بالكامل عن تشكيل المجالس السياسية أو التعيينات الحكومية، وترك القرار لحوار (يمني-يمني) خالص يُعقد على أرض سيادية يمنية.

ثانياً: الاستقلال الاقتصادي.. إنهاء الحصار بوصفه “جريمة ضد الإنسانية”:

لقد استخدمت الحرب “الحصار الاقتصادي” كوسيلة لتركيع الإرادة اليمنية، وهو ملفٌ ينظمه القانون الدولي الإنساني بشكل صارم ولا يقبل المساومة:

رفع القيود الملاحية فوراً: إن فرض القيود على مطار صنعاء وميناء الحديدة والموانئ الأخرى يُصنف قانونياً كـ “عقاب جماعي” يخرق المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة. يتطلب الحل الجذري رفعاً فورياً وكاملاً وغير مشروط لكافة مظاهر الحظر البري والبحري والجوي، واستعادة اليمن لولايتها القانونية المطلقة على أجوائها ومياهها الإقليمية (وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS).

تأميم وإدارة الموارد السيادية: خروج كافة القوات الأجنبية من اليمن استناداً إلى مبدأ “السيادة الدائمة للشعوب على مواردها الطبيعية” المقر بموجب قرار الجمعية العامة رقم 1803. إن عوائد هذه الثروات يجب أن تتدفق للبنك المركزي اليمني لتمويل الرواتب والتنمية بعيداً عن أي إملاءات خارجية.

ثالثاً: التعويضات العادلة وجبر الضرر وفقاً لمبدأ “مسؤولية الدولة“:

– يجب على القاموس السياسي أن يتخلص من مفردات “المساعدات الإنسانية” و”الهبات” بصيغتها الاستعلائية المشروطة. إن تدمير البنية التحتية والمصانع والمنازل في اليمن يرتكز قانونياً على مبدأ “مسؤولية الدولة عن الأعمال غير المشروعة دولياً”
– إلزامية التعويضات: تلتزم المملكة العربية السعودية قانونياً بموجب القانون الدولي بتقديم تعويضات كاملة وجبر للضرر عن كافة الخسائر المادية والبشرية والاقتصادية التي سببتها العمليات العسكرية طوال سنوات الحرب.

آلية دولية مستقلة للصندوق: تُضخ هذه التعويضات في صندوق دولي مستقل برعاية أممية وتديره كفاءات تكنوقراط يمنية ودولية. يتم إلغاء ما يسمى “البرنامج السعودي للإعمار” كونه يمثل أداة نفوذ وتغلغل مالي وأمني، واستبداله بآلية قانونية شفافة تضمن صرف الأموال كحق قانوني لليمنيين وليس كمنحة سياسية.

رابعاً: إخلاء الأرض والندية الأمنية (المثل بالمثل):

على الصعيد العسكري والميداني، فإن الحل الجذري لا يستقيم مع بقاء جندي أجنبي واحد فوق التراب اليمني، وهو ما تؤطره القواعد الدولية كالتالي:

جلاء القوات الأجنبية: الانسحاب الفوري والشامل من الجزر الاستراتيجية (سقطرى وميون) والمحافظات الشرقية والمنافذ (المهرة والمنافذ البرية)، باعتبار بقائها دون موافقة حكومة سيادية موحدة احتلالاً عسكرياً صريحاً تجب مقاومته وطردها منه بكل الوسائل المشروعة.
اتفاقية حدودية ندية: إعادة تفعيل الترتيبات الأمنية على الحدود البرية بناءً على مبدأ “المعاملة بالمثل والندية” . تضمن اليمن أمن حدودها وعدم استخدام أراضيها للإضرار بالجيران، مقابل التزام أمني سعودي مكتوب ومضمون دولياً باحترام السيادة الإقليمية لليمن، وعدم التدخل في الشأن اليمني او صياغة العقيدة العسكرية للجيش اليمني الموحد الذي تتلخص مهمته في حماية الوطن واستقلاله فقط.

إن اليمن لا يبحث عن عداء مع محيطه، بل يبحث عن العيش بكرامة وحرية . إن رفع اليد السعودية عن اليمن في كل المجالات ليس مجرد مطلب سياسي، بل هو ضرورة حتمية وحق قانوني أصيل غير قابل للتقادم. إن الجغرافيا فرضت الجوار, لكن التاريخ علمنا أن السلام لا يدوم إلا بين الأنداد، أما علاقات التبعية والوصاية فهي فتيل لحروب قادمة لا محالة. لقد حان الوقت لترفع السعودية يدها، ولتبدأ اليمن مسيرتها المستقلة نحو البناء والنهوض كدولة ذات سيادة كاملة غير منقوصة يحميها القانون وتحرسها إرادة شعبها.

رسالة مفتوحة إلى صناع القرار في الرياض:

إن صناعة التاريخ تتطلب شجاعةً في مراجعة الاستراتيجيات، والاعتراف بأن استقرار الجوار هو الضامن الوحيد لعدم ارتداد الأزمات إلى الداخل. ومن هذا المنطلق، نضع أمام أصحاب القرار في المملكة العربية السعودية هذه النقاط المحددة كخارطة طريق للانتقال إلى عهد السلام المستدام وحسن الجوار الدائم:

تغيير العقيدة السياسية تجاه اليمن: يجب إدراك أن اليمن الموحد، المستقل، وذو السيادة الكاملة، هو حزام الأمان الحقيقي للمنطقة، وأن محاولات إبقائه ضعيفاً أو مجزأً تحت الوصاية لم تنتج سوى الدورات المتتالية من عدم الاستقرار التي تتطاير شررها عَبْر الحدود.

التعامل بمنطق “الشراكة لا التبعية“: إن كسب رهان المستقبل في الجزيرة العربية يتطلب التخلي عن أدوات التدخل التقليدية واللجان الخاصة، والاستعاضة عنها بقنوات دبلوماسية رسمية، ندية، تحترم خيارات الشعب اليمني وإرادته السياسية المستقلة.

الجرأة في تصفية تركة الحرب: إن المبادرة إلى دفع التعويضات العادلة، والرفع الكلي وغير المشروط للحصار، وسحب القوات من الجزر والمنافذ، ليست تنازلاً بل هي استثمار استراتيجي ذكي لشراء سلام دائم يغلق ملف النزاع الاستنزافي إلى الأبد.

– الانتقال من “الهدنة الهشة” إلى “الميثاق الدائم”: ندعو الرياض إلى صياغة “ميثاق حسن جوار دائم” يُوقع برعاية دولية وضمانات إقليمية، يضع حداً نهائياً للمخاوف الأمنية المتبادلة، ويفتح الباب لنهضة اقتصادية وتكامل تنموي بين البلدين الجارين كأنداد لا أتباع.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com