“نيويورك“| 77 دولة تنسحب أثناء خطاب نتنياهو.. “كيان الاحتلال“ أمام عزلة غير مسبوقة في الأمم المتحدة..!
أبين اليوم – خاص
في مشهد بدا أقرب إلى انسحاب جماعي من مسرح فقد جمهوره، وجد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو نفسه، الخميس، واقفاً أمام قاعة الأمم المتحدة فيما كانت عشرات الوفود تغادر مقاعدها مع بدء كلمته، في واحدة من أكثر اللحظات إحراجاً له على المنصة الدولية.
وبحسب تقارير إعلامية، غادرت وفود من نحو 77 دولة القاعة، بينما بقيت مقاعد واسعة خالية خلف نتنياهو وهو يمضي في خطابه. وتزامن المشهد مع هتافات واحتجاجات داخل محيط مقر الأمم المتحدة، ليصبح الانسحاب نفسه أحد أبرز عناوين خطاب نتنياهو، وربما أكثرها دلالة من مضمون الخطاب ذاته.
ولم يتعامل نتنياهو مع المشهد باعتباره احتجاجاً دبلوماسياً، بل هاجم المنسحبين مباشرة، واصفاً من غادروا بـ«الجبناء أخلاقياً»، قبل أن يدعو من تبقى في القاعة إلى المغادرة أيضاً إذا كانوا يتفقون مع مواقفهم.
ومضى نتنياهو في الدفاع عن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والمنطقة، مهاجماً منتقدي حكومته، ومكرراً رواية الاحتلال بشأن «الدفاع عن النفس». كما دافع عن الهجوم على إيران، واعتبر قرار استهداف منشآتها النووية من «أسهل» القرارات التي اتخذها كرئيس للحكومة، بحسب نص خطابه وتقارير التغطية المباشرة.
وفي استعراض بدا مصمماً لاستعادة مشاهد خطاباته السابقة، أخرج نتنياهو جهاز «بيجر» خلال حديثه عن العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان عام 2024، في محاولة لتحويل عملية أمنية وعسكرية إلى جزء من روايته أمام المجتمع الدولي.
كما شن هجوماً على بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى، متهماً منتقدي إسرائيل بازدواجية المعايير، في الوقت الذي تواجه فيه الحكومة الإسرائيلية انتقادات دولية متزايدة بشأن عملياتها في غزة والضفة الغربية. وتقول إسرائيل إنها لا ترتكب إبادة جماعية، بينما خلصت لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، وهو استنتاج ترفضه إسرائيل بشدة.
– من قاعة شبه فارغة إلى شوارع نيويورك:
ولم تتوقف الاحتجاجات عند أبواب القاعة. فقد شهد محيط مقر الأمم المتحدة في نيويورك تجمعات احتجاجية واسعة ضد نتنياهو وسياسات حكومته والحرب في غزة، فيما شاركت مجموعات يهودية أيضاً في الاحتجاجات، في مؤشر إلى أن الاعتراض على سياسات الحكومة الإسرائيلية لا ينحصر في خصوم إسرائيل التقليديين.
وهكذا، دخل نتنياهو إلى الجمعية العامة حاملاً خطاباً معداً لمواجهة خصومه، لكنه خرج من المشهد السياسي بصورة مختلفة: قاعة تتسع للمقاعد الفارغة، وفود تتجه إلى الأبواب، هتافات تقطع كلمته، واحتجاجات تحاصر مقر الأمم المتحدة.
لقد حاول نتنياهو أن يجعل خطابه منصة للدفاع عن رواية الاحتلال، لكن صورة القاعة وهي تفرغ أمامه تحولت إلى الرسالة الأكثر وضوحاً في المشهد كله؛ فقبل أن يُقرأ الخطاب، كانت المقاعد نفسها قد بدأت تتحدث.إذا أردت، أستطيع أيضاً تحويله إلى نسخة أشد حدة على طريقة «المعتاد» لديك، مع .خاتمة «تحليل» من 3 فقرات تكشف دلالات العزلة السياسية وما وراء مشهد الـ77 دولة
تحليل:
المشهد الأهم في قصة خطاب نتنياهو ليس عدد الكلمات التي قالها، ولا الخرائط التي عرضها، ولا جهاز «البيجر» الذي حمله أمام العالم؛ بل اللحظة التي بدأت فيها المقاعد تتحدث بدلاً من الوفود.
فالانسحاب الجماعي، أياً كانت دوافع كل دولة من الدول المنسحبة، أنتج صورة سياسية يصعب على أي خطاب أن يمحوها: رئيس حكومة يتحدث عن كيانه الصهيوني أمام منصة دولية بينما تتسع المساحة الفارغة حوله.
والأكثر دلالة أن نتنياهو اختار مواجهة الفراغ بالتصعيد الخطابي؛ مهاجمة المنسحبين، واستحضار تاريخ الاستعمار الأوروبي، وعرض الرموز العسكرية والأمنية. وهذه ليست مجرد تفاصيل خطابية، بل تعكس محاولة نقل المعركة من سؤال «ماذا تفعل إسرائيل؟» إلى سؤال «لماذا يعارض الآخرون إسرائيل؟».
وبين السؤالين مسافة سياسية هائلة، لأن الأول يضع الفعل الإسرائيلي تحت المجهر، بينما الثاني يضع خصوم إسرائيل في قفص الاتهام.
لكن الصورة التي خرجت من نيويورك تحمل مفارقة أعمق: كلما حاول نتنياهو تحويل القوة العسكرية إلى لغة سياسية، عادت الحرب نفسها لتفرض حضورها على المشهد.
غزة حاضرة في الاحتجاجات، ولبنان حاضر في «البيجر»، والاستعمار حاضر في سجاله مع أوروبا، والقاعة الفارغة حاضرة خلفه. لقد حمل نتنياهو إلى الأمم المتحدة خطاباً يريد أن يثبت أن كيان الاحتلال ما زال قادراً على فرض روايته، فإذا بالمشهد كله يفتح سؤالاً معاكساً: ماذا يحدث عندما تصبح القوة العسكرية أكبر من قدرة الرواية السياسية على احتوائها؟