“تحليل“| عرب جورنال: لماذا قد تمتلك إيران مخزوناً صاروخياً لا يمكن لأمريكا والكيان استفاده بسهولة..!

7٬662

أبين اليوم – تقارير 

سلطت صحيفة عربية، الضوء على جدية الادعاءات الأمريكية والإسرائيلية بتمكنهم من تدمير المخزون الإيراني من الصواريخ البالستية خلال الحرب الدائرة بين الجانبين.

ونشرت صحيفة “عرب جورنال” مقالاً تحليلاً للباحث المتخصص بالدراسات العسكرية والسياسية، كامل المعمري، ركز على تقديم إجابة لتساؤل رئيسي “لماذا قد تمتلك إيران مخزونا صاروخيا لا يمكن لأمريكا وإسرائيل استنفاده؟”، فإلى نص التحليل:

مع دخول الحرب القائمة بين إيران من جهة والعدوين الإسرائيلي والأمريكي من جهة اخرى شهرها الثاني، يبرز سؤال مركزي يشغل بال المراكز العسكرية والاستخبارية في المنطقة والعالم: ما هو مخزون إيران الحقيقي من الصواريخ؟ وما هو حجم ما تمتلكه أمريكا وإسرائيل في مواجهتها؟

سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يصطدم فوراً بجدار من السرية المطلقة، فهو من النوع الذي لا يمكن لأي جهة أن تقدم فيه أرقاماً جازمة، إذ تظل هذه الأرقام محصورة في دوائر مغلقة للغاية داخل أروقة الحكم، لأن الكشف عنها يعني كشف جزء من عماد القدرة الوطنية وورقة الردع الأهم في موازين القوى.

ما يمكن فعله في هذا السياق لا يتعدى قراءة المؤشرات والمعطيات غير المباشرة التي ترسم صورة تقريبية عن حجم هذا المخزون وقدرات كل طرف على إدامة القتال.

فمنذ ما يزيد على ربع قرن، وتحديداً بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001، تعيش إيران في حالة تهديد مفتوح بالغزو أو الاحتلال الأمريكي المباشر. وهذه الحالة، وفق المنطق العسكري، تفرض على الدولة المعنية أن تتصرف كدولة في حالة حصار طويل الأمد، ما يعني أن سياسة التصنيع العسكري لا تتوقف عند حد الردع، بل تتجه نحو التراكم الكمي والنوعي في المخازن السرية.

فالتهديد الطويل يبني بنية تحتية عسكرية تعمل وفق منطق الإنتاج الضخم والاحتياطي الاستراتيجي الذي يتسع مع كل تصعيد في درجة التهديد.

تأتي هنا الجغرافيا الإيرانية لتعزز هذه الاستراتيجية بشكل لا يمكن تجاهله. فإيران، التي تقع هضبتها الرئيسية على ارتفاع يزيد على تسعمئة متر عن سطح البحر، تمتلك أكثر من واحد وأربعين ألف جبل، وهذا التشكيل الجبلي الهائل هو مكون رئيسي في فلسفة الدفاع والردع الإيرانية.

فالجبال في إيران تحولت على مدى عقود إلى مرافق تخزين محصنة، ومجمعات لإنتاج الصواريخ، وقواعد انطلاق تحت أرضية، وأخرى للتخزين الاستراتيجي العميق.

وهذه الميزة الجغرافية تجعل من المستحيل على أي عدو، حتى الأكثر تقدماً في تقنيات الاستخبارات والمراقبة، أن يرصد بدقة حجم ما تخفيه هذه الجبال، أو أن يستهدفها بشكل شامل في أي هجوم استباقي.

على النقيض تماماً من هذا المشهد الجبلي الوعر، تبرز الجغرافيا في فلسطين المحتلة بمساحاتها المحدودة التي تغلب عليها السهول والصحاري الرملية والأودية المكشوفة. هذه التضاريس لا تتيح نفس الدرجة من التخفي أو التحصين الطبيعي التي تتمتع بها إيران.

المخازن الاستراتيجية في الأراضي المحتلة حتى وإن كانت متطورة تقنياً، تظل محدودة السعة وأكثر عرضة للاستهداف والرصد مقارنة بنظيرتها الإيرانية. وهذا ما تجلى بوضوح في أحداث معينة، مثل حرب تموز عام 2006، لكن التجربة الأكثر حداثة تمثلت في معركة طوفان الأقصى وما تلاها من حرب استنزاف طويلة مع حزب الله اللبناني.

ففي عام 2024، ومع استمرار القتال على جبهات متعددة، اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار مع لبنان، وخرجت التصريحات حينها لتكشف عن جانب مهم من معادلة الصواريخ: فقد أشارت جهات رسمية وقتها إلى أن نفاد الذخيرة، وبخاصة صواريخ الاعتراض، كان عاملًا رئيسيًا في دفع الحكومة لقبول الاتفاق، وهو ما أثار انتقادات حادة من التيار اليميني الديني الذي رأى في الاتفاق تراجعاً عن مبدأ تحقيق النصر العسكري الكامل.

لكن فارق الجغرافيا ليس العامل الوحيد في هذه المعادلة، فهناك فارق آخر لا يقل أهمية يتعلق بالتكلفة وسرعة الإنتاج. عالم الصناعات العسكرية الغربية تحكمه شركات عملاقة تعمل ضمن منظومة معقدة من الوسطاء والمقاولين الباطن، مما يضيف طبقات متعددة من التكاليف الإدارية والعمولات والأرباح الإضافية فوق التكلفة الحقيقية للإنتاج.

هذا إلى جانب ارتفاع تكاليف الرواتب والمواد الخام النادرة، ما يجعل الصاروخ الواحد في المصانع الأمريكية أو الإسرائيلية يصل إلى سعر يتضاعف عدة مرات مقارنة بتكلفته في بيئة إنتاج مختلفة تماماً.

هنا تبرز الميزة النسبية لإيران، حيث تشرف الدولة بشكل مباشر على منظومة التصنيع العسكري، مع هيكل رواتب أقل بكثير، وتدخل محدود للوسطاء والسماسرة. هذه العوامل مجتمعة تخفض التكلفة النهائية للصاروخ أو المسيرة بشكل دراماتيكي، ما يسمح لإيران بإنتاج أضعاف ما تنتجه المصانع الغربية بنفس الميزانية.

وعليه يمكن القول:

يقدم هذا الطرح مقاربة “بنائية” لفهم ميزان القوة، لا تركز على عدد الصواريخ بقدر ما تركز على قدرة الاستدامة في العلوم العسكرية.

الفكرة الجوهرية هنا أن الحروب الحديثة – خصوصاً حروب الاستنزاف – لا تُحسم بضربة أولى، بل بقدرة كل طرف على تعويض خسائره بوتيرة أسرع من خصمه.

وفق هذا المنطق، فإن تفوق إيران – إن صحّت هذه المعطيات – لا يكمن فقط في حجم المخزون، بل في “النظام المتكامل” الذي يجمع بين الجغرافيا الحامية، الإنتاج منخفض الكلفة، وسلاسل إمداد أكثر مرونة. في المقابل، يواجه الطرف الأمريكي – الإسرائيلي معضلة مركبة: تفوق تكنولوجي يقابله ضغط لوجستي وتكلفة عالية، ما يحدّ من قدرته على خوض صراع طويل دون استنزاف موارده.

ومع ذلك، يجب التعامل مع هذا التحليل بحذر منهجي، لأنه يعتمد على استنتاجات غير مباشرة في بيئة يغلب عليها الغموض الاستخباراتي. لكن قيمته الحقيقية تكمن في تسليط الضوء على متغير غالباً ما يتم تجاهله: القدرة على الاستمرار، باعتبارها العامل الحاسم في أي مواجهة ممتدة، وليس فقط التفوق اللحظي في القوة النارية.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com