واشنطن تستنجد بتحالفات السعودية في البحر الأحمر.. ضربات صنعاء تدفع أمريكا لإعادة حساباتها في اليمن..!
أبين اليوم – خاص
أبدت الولايات المتحدة، الاثنين، تعويلاً متزايداً على التحالفات التي تعمل السعودية على تشكيلها لمواجهة من وصفتهم بـ«الحوثيين» وإيران، في تطور يعكس تحولاً لافتاً في طبيعة الدور الأمريكي في المنطقة، بالتزامن مع تصاعد الضربات اليمنية التي تستهدف القوات والفصائل المحسوبة على واشنطن والرياض.
وقال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، في تصريح لشبكة «فوكس نيوز» الأمريكية، إن السعودية تعمل على تشكيل تحالف بحري لمواجهة «الحوثيين»، في إشارة إلى التحالف الخاص بأمن البحر الأحمر الذي أعلنت الرياض عنه قبل أيام، كما ربط التحالف الثلاثي الذي يجمع السعودية وباكستان وتركيا بمواجهة إيران.
وتكشف هذه التصريحات، بحسب مراقبين، جانباً من حقيقة التحركات السعودية الأخيرة، وتنسف في الوقت ذاته محاولات الرياض تقديم تحالفاتها الجديدة باعتبارها ترتيبات أمنية إقليمية محايدة، إذ يظهر التعويل الأمريكي عليها باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لمواجهة صنعاء وإيران وحماية المصالح الأمريكية في المنطقة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة بين الرياض وواشنطن بشأن الملف اليمني، وسط تعرض وكلائهما المحليين لضربات عسكرية متصاعدة خلال الأيام الأخيرة.
وفي هذا السياق، عقد السفير السعودي والقائم بأعمال السفير الأمريكي سلسلة لقاءات مع مسؤولين في حكومة عدن ومجلس القيادة الرئاسي، من بينها اجتماع القائم بالأعمال الأمريكي مع رئيس المجلس رشاد العليمي، خُصص، وفق مصادر حكومية، للاطلاع على تداعيات الضربات الأخيرة التي طالت الفصائل والقوات المحسوبة على السعودية والولايات المتحدة.

وأفادت المصادر بأن العليمي قدم خلال الاجتماع تقريراً حول حجم الخسائر، في حين أكد في تصريح صحفي أن قواته لا تزال «متمسكة»، في إشارة تعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها التشكيلات الموالية للتحالف.
وتزامنت هذه التحركات مع تنفيذ القوات اليمنية خلال الأيام الأخيرة ضربات مركزة استهدفت تحشيدات سعودية في عدد من المحافظات الواقعة شرق وغرب اليمن، ما دفع الرياض وواشنطن إلى تكثيف اتصالاتهما مع حلفائهما المحليين بالتوازي مع البحث عن ترتيبات جديدة للتعامل مع التطورات الميدانية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تحاول فيه السعودية بناء تحالفات جديدة، أبرزها التحالف البحري في البحر الأحمر والتحالف الثلاثي مع باكستان وتركيا، في حين تبدو قدرة الولايات المتحدة على مواصلة الانخراط العسكري المباشر في جبهات جديدة موضع اختبار متزايد.
تحليل:
ما يجري يكشف القناع أكثر مما يكشف عن تحالف جديد. واشنطن التي كانت تتصدر المشهد العسكري في البحر الأحمر، وتخوض المواجهة مباشرة، باتت اليوم تبحث عن السعودية لتشكيل تحالفات تقاتل نيابة عنها. وهذه ليست ثقة بالقوة السعودية بقدر ما هي علامة على أن كلفة المواجهة المباشرة أصبحت أثقل من أن تتحملها الولايات المتحدة وحدها.
أما السعودية، فتدخل هذه المعركة وهي تحاول الظهور بمظهر الدولة التي تقود ترتيبات أمنية إقليمية، بينما الحقيقة أن الرياض نفسها تستدعي الآخرين لحماية نفوذها المتآكل.
التحالف مع باكستان وتركيا، والتحالف البحري الجديد، لا يبدوان تعبيراً عن فائض قوة بقدر ما يعكسان محاولة تجميع أكبر عدد ممكن من الأكتاف لتحمل عبء مواجهة عجزت السعودية والولايات المتحدة عن حسمها منفردتين.
والأكثر فجاجة أن واشنطن والرياض تتحركان دبلوماسياً في اللحظة نفسها التي تتلقى فيها أدواتهما المحلية الضربات. اجتماع المسؤول الأمريكي مع رشاد العليمي لم يعد مجرد لقاء سياسي؛ إنه، في جوهره، اجتماع غرفة عمليات سياسية لتقييم ما تبقى من أدوات المشروع الأمريكي السعودي على الأرض.
فحين يصبح السؤال عن حجم الخسائر، وحين تتحول «الشرعية» إلى جهة تقدم تقارير عن صمودها تحت الضربات، فهذا يعني أن الوكلاء الذين جرى تقديمهم لسنوات باعتبارهم قوة الدولة أصبحوا هم أنفسهم عبئاً يحتاج إلى الحماية.
والحقيقة التي تحاول العاصمتان إخفاءها هي أن المشكلة لم تعد في غياب تحالف جديد، بل في فشل التحالفات القديمة. عشرات المليارات، سنوات من التسليح والتدريب، قواعد وانتشار عسكري، دعم سياسي واستخباري، وحشد دولي واسع؛ ومع ذلك لم تستطع الرياض وواشنطن فرض المعادلة التي أرادتاها في اليمن أو تأمين البحر الأحمر وفق شروطهما.
ولهذا فإن الاستنجاد بتحالفات جديدة لا ينبغي قراءته باعتباره استعراضاً للقوة، بل باعتباره أحد أوضح مؤشرات المأزق: أمريكا تريد أن تدفع السعودية إلى الواجهة، والسعودية تستنجد بالحلفاء المأجورين وتدفع وكلاءها إلى الواجهة، والوكلاء يريدون الاحتماء بالداعم الخارجي؛ بينما تتسع الفجوة بين كل هذه الطبقات وبين الواقع الميداني.
إنها ببساطة إعادة تدوير للهزيمة بأسماء جديدة: من حرب أمريكية مباشرة إلى تحالف سعودي، ومن تحالف سعودي إلى أدوات محلية، ومن أدوات محلية إلى تقارير عن الخسائر والصمود.
أما الحقيقة التي يصعب دفنها، فهي أن القوة الأعظم لم تعد تريد دفع ثمن معركتها بنفسها، والقوة الإقليمية التي تصدرت المشهد لعقد كامل تبحث الآن عمن يحمل عنها الكلفة. وهنا تحديداً تنكشف الأقنعة: التحالف الجديد ليس إعلاناً عن بداية انتصار، بل محاولة يائسة لمنع إعلان نهاية مشروعه.