“تقرير“| لماذا رفضت مصر “اتفاق مكة“؟ هل تخشى القاهرة التحول إلى أداة في مشروع السعودية الإقليمي أم لها حسابات أخرى..!
أبين اليوم – تقارير
كشفت تقارير صحفية أن مصر تلقت عرضاً رسمياً للانضمام إلى ما يُعرف بـ«اتفاق مكة الدفاعي»، لكنها اختارت رفضه بصورة متعمدة، في موقف يعكس حسابات استراتيجية دقيقة أكثر مما يعكس مجرد تحفظ عابر على صيغة الاتفاق.
وبحسب ما أورده موقع «مدى مصر»، فإن القاهرة لا تنظر إلى الاتفاق باعتباره تحالفاً دفاعياً مؤسسياً بالمعنى التقليدي، وإنما إطاراً سياسياً تسعى السعودية من خلاله إلى بناء اصطفاف إقليمي جديد. وترى مصر أن الانخراط فيه قد يضعها داخل محور سياسي تقوده الرياض، بما يمكن أن يضيّق هامش المناورة الذي تحرص القاهرة على الاحتفاظ به في علاقاتها الإقليمية والدولية.
ويستند الموقف المصري كذلك إلى قناعة بأن دول الخليج، رغم خلافاتها المتزايدة مع واشنطن، لا تزال تعتمد بصورة أساسية على المظلة الأمنية الأمريكية، وأن أي ترتيبات دفاعية تضم تركيا أو باكستان أو مصر ستظل، في أفضل الأحوال، مكملة للدور الأمريكي وليست بديلاً عنه.
وتتحفظ القاهرة أيضاً على فكرة الانضمام إلى منظومة أمنية غير عربية تضم تركيا وباكستان، في حين ترى أن اتفاقية الدفاع العربي المشترك توفر، من حيث المبدأ، الإطار القانوني القائم إذا احتاجت السعودية إلى دعم عسكري عربي، دون الحاجة إلى إنشاء منظومة جديدة تتداخل فيها حسابات دول غير عربية.
وتزداد تعقيدات الموقف المصري بفعل علاقاته مع الأطراف التي يفترض أن يضمها التحالف. فالدخول في اتفاق دفاعي مع تركيا يتعارض مع بعض حسابات القاهرة في شرق المتوسط وشراكاتها مع اليونان وقبرص، بينما قد يؤدي أي التزام دفاعي مع باكستان إلى إرباك علاقاتها المتنامية مع الهند.
كما تحرص القاهرة على إبقاء مسافة متوازنة في التنافس السعودي الإماراتي، في ظل حاجتها إلى التنسيق مع الرياض في ملفات إقليمية حساسة، بالتوازي مع اعتمادها على الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية الإماراتية، الأمر الذي يجعل الانضمام إلى محور تقوده إحدى القوتين مخاطرة سياسية لا تبدو القاهرة مستعدة لتحملها.
وعليه يمكن القول:
رفض مصر الانضمام إلى الاتفاق يحمل دلالة أكبر من مجرد تحفظ على بنوده؛ فهو ضربة مبكرة للمحاولة السعودية تقديم تحالفها الجديد باعتباره إطاراً إقليمياً جامعاً. فالقاهرة، بثقلها العربي والعسكري، كانت ستكون أحد أهم الأسماء التي تمنح المشروع السعودي شرعية ووزناً سياسياً، ولذلك فإن ابتعادها يكشف أن الرياض لم تنجح حتى الآن في تحويل مخاوفها الأمنية إلى إجماع إقليمي.
الأهم أن القاهرة، عملياً، تقول للسعودية: لا نريد أن نتحول إلى طرف في حرب تختار الرياض ساحتها وخصومها وأهدافها. فمصر تدرك أن إدخال تركيا وباكستان في ترتيبات دفاعية تقودها السعودية لا يصنع بالضرورة قوة عربية مستقلة، وإنما قد ينتج محوراً هجيناً تتشابك داخله أجندات متناقضة، ويظل في النهاية محتاجاً إلى المظلة الأمريكية التي يحاول الخطاب السعودي الإيحاء بإمكانية الاستغناء عنها.
وهنا تظهر المفارقة: السعودية تتحدث عن بناء منظومة أمن إقليمية جديدة، لكنها عاجزة عن إقناع أكبر دولة عربية سكاناً وثقلاً عسكرياً بالانضمام إليها. وهذا يعني أن مشروع «التحالف الجديد» لم يتحول بعد إلى منظومة أمنية متماسكة، بل لا يزال محاولة سعودية لسد فراغ أمني وسياسي بدأ يتسع حولها.
والأكثر دلالة أن مصر لا ترفض فقط الانضمام؛ بل تتمسك بإطار عربي قائم، وترفض أن تُسحب إلى ترتيبات أمنية تجمع دولاً عربية وغير عربية تحت قيادة سياسية سعودية.
وهذا يكشف أن القاهرة تنظر إلى المشروع من زاوية مختلفة تماماً: الرياض تريد اصطفافاً، بينما القاهرة تريد هامش حركة؛ الرياض تبحث عن محور، بينما القاهرة تبحث عن توازن؛ والرياض تريد تحويل خصوماتها الإقليمية إلى التزام جماعي، بينما مصر لا تريد أن تدفع ثمن تلك الخصومات.
وبذلك، فإن الرفض المصري يضع علامة استفهام كبيرة أمام مستقبل المشروع السعودي: إذا كانت القاهرة، بثقلها العربي والعسكري، لم تجد مصلحتها في الدخول، فكيف يمكن تقديم التحالف الجديد باعتباره مظلة دفاع إقليمية مكتملة؟ بل إن المشهد قد يكشف منذ بدايته أن السعودية لا تبني تحالفاً بقدر ما تبحث عن أطراف تحمل معها أعباء مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب، بينما يصر كل طرف على ألا يتحول إلى أداة في استراتيجية طرف آخر.