“تقرير“| إصابة «تايفون» الإيطالية في الطائف.. هل دخلت القواعد السعودية مرحلة انكشاف جوي جديد..!

7٬881

أبين اليوم – خاص 

لم يكن إعلان وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروزيتّو، الجمعة، عن إصابة مقاتلة إيطالية من طراز F-2000 يوروفايتر تايفون داخل قاعدة الملك فهد الجوية في الطائف تفصيلاً عابراً في سياق التصعيد المتسارع حول السعودية واليمن، بل كشف عن وصول الهجمات إلى أصل جوي أجنبي متمركز داخل قاعدة سعودية في غرب المملكة.

وقال كروزيتّو إن قاعدة الطائف تعرضت لعدة هجمات خلال ليلة 17 ــ 18 سبتمبر، وإن طائرة إيطالية من طراز F-2000 كانت داخل القاعدة وفي منطقة بعيدة عن المركز تعرضت للإصابة، مؤكداً عدم إصابة أي عسكري إيطالي وعدم تسجيل أضرار أخرى في المعدات أو المنشآت المستخدمة من جانب القوة الإيطالية. كما طلب تقييماً جديداً لتطور الوضع والظروف المحيطة بالقوة الإيطالية والخيارات العملياتية المتاحة.

وتكمن أهمية الحادثة في أن الاعتراف جاء من وزارة الدفاع الإيطالية نفسها، وليس من رواية ميدانية غير موثقة. كما أن الإعلان الإيطالي أكد أن الطائرة كانت داخل القاعدة لحظة تعرضها للهجوم، وهو ما يمنح الحادثة قيمة عسكرية مختلفة عن مجرد اعتراض هدف جوي في المجال الخارجي.

الطائف.. عندما تصل الهجمات إلى قاعدة في عمق السعودية:

تقع قاعدة الملك فهد الجوية في الطائف، غرب المملكة، على مسافة بعيدة نسبياً عن الحدود اليمنية مقارنة بالقواعد السعودية الجنوبية التي ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بالهجمات العابرة للحدود.

وهذا البعد الجغرافي هو أحد أهم عناصر دلالة الحادثة؛ فكلما انتقل التهديد من المناطق الحدودية إلى قواعد تقع في العمق، ارتفعت متطلبات الدفاع الجوي وحماية الأصول العسكرية، واتسعت المساحة التي يتعين على منظومات الإنذار والرصد والاعتراض تغطيتها.

لكن من الضروري عسكرياً عدم القفز من إصابة طائرة واحدة إلى استنتاج أن جميع منظومة الدفاع الجوي السعودية انهارت. فالبيان الإيطالي لم يكشف نوع السلاح المستخدم ولا الكيفية التي وصلت بها الضربة إلى الطائرة، كما لم يعلن عن أضرار أخرى في المعدات الإيطالية.

ومع ذلك، فإن وصول الهجوم إلى طائرة مقاتلة متوقفة داخل قاعدة محمية يطرح سؤالاً مختلفاً عن قدرة الطائرة نفسها على القتال: كيف تحمي القواعد أصولها الثمينة عندما تكون على الأرض؟

«تايفون» في الأرض.. نقطة الضعف التي تكشفها الحرب:

المقاتلة الحديثة تكون في أكثر أوضاعها حساسية عندما تكون متوقفة على الأرض؛ فهي لا تستطيع المناورة أو استخدام قدراتها الجوية، وتصبح حمايتها مرتبطة بشبكة أخرى من الإجراءات: الملاجئ والتحصينات، توزيع الطائرات، الإنذار المبكر، الدفاع الجوي القريب، إخفاء الأصول، وإدارة عمليات الإخلاء وإعادة الانتشار.

ومن هنا، فإن إصابة F-2000 الإيطالية لا تعني أن المقاتلة نفسها فشلت، بل تكشف أن المطار ذاته أصبح جزءاً من ميدان الاشتباك.

وهذه نقطة مركزية في الحروب الحديثة: التفوق الجوي لا يقاس بعدد المقاتلات وقدراتها الإلكترونية والتسليحية فقط، وإنما بقدرة الدولة على إبقاء تلك الطائرات صالحة للعمل، وحمايتها وهي على الأرض، وتأمين المدارج والوقود والذخائر وورش الصيانة ومراكز القيادة والسيطرة.

وبالتالي، فإن الضغط على القاعدة الجوية يمكن أن يحقق أثراً عملياتياً يتجاوز قيمة الهدف الذي أصيب فعلياً، لأنه يفرض على الطرف المدافع إعادة توزيع طائراته، وزيادة التحصينات، وتغيير أنماط الانتشار، وربما تقليص حرية استخدام بعض القواعد.

من القواعد الجنوبية إلى غرب المملكة:

لطالما كانت القواعد الواقعة في جنوب السعودية، مثل خميس مشيط وجازان ونجران، أكثر ارتباطاً بالحسابات العسكرية للحرب اليمنية بسبب قربها من مسرح العمليات.

أما الطائف فتقدم صورة مختلفة:

فإذا ثبت أن الهجوم الذي أصاب الطائرة الإيطالية جاء ضمن الهجمات المنسوبة إلى قوات صنعاء، فإن المسألة تعني أن الحسابات الدفاعية السعودية لا يمكن أن تقتصر على إنشاء حزام حماية في الجنوب، بل تحتاج إلى تغطية أوسع للعمق الجغرافي للمملكة.

وتزداد حساسية الأمر بسبب طبيعة الطائف كموقع عسكري مهم، فضلاً عن وجود قوة أجنبية تعمل من داخل القاعدة. وهذا يجعل أي إصابة لأصل عسكري أجنبي قضية تتجاوز الحسابات السعودية الداخلية، وتضع الدول المشاركة في العمليات الإقليمية أمام سؤال مباشر حول مستوى المخاطر التي تتعرض لها قواتها ومعداتها.

وجود إيطالي في الطائف.. لماذا يهم؟:

أكدت وزارة الدفاع الإيطالية أن أفرادها في الطائف يعملون ضمن عملية «العزم الصلب»، وأن الإجراءات الأمنية لحماية القوة كانت مطبقة مسبقاً. كما شدد كروزيتّو على أنه طلب مراجعة تطور الوضع والخيارات العملياتية المتاحة.

وهذه العبارة الأخيرة مهمة؛ لأن روما لم تتعامل مع الحادث باعتباره مجرد أضرار مادية لطائرة، بل باعتباره تطوراً يستوجب إعادة تقييم للخيارات العملياتية.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تحرك إيطالي أوسع لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب؛ إذ قال كروزيتّو، في اليوم نفسه، إن إيطاليا تريد تعزيز وجودها البحري لحماية الملاحة، في ظل تصاعد المخاطر التي تواجه حركة التجارة في المنطقة.

وبذلك تتقاطع حادثة الطائف مع ملف البحر الأحمر: إيطاليا لا تواجه المخاطر فقط باعتبارها دولة مشاركة في ترتيبات أمنية إقليمية، وإنما باعتبارها دولة تعتمد بدرجة كبيرة على طرق التجارة المرتبطة بالبحر الأحمر وقناة السويس.

هل تعني إصابة «تايفون» تضرر طائرات أخرى؟:

تداولت بعض التقارير والتقديرات أرقاماً عن أضرار واسعة في الطائرات داخل القواعد السعودية، لكن لا يوجد في البيان الإيطالي ما يثبت إصابة طائرات سعودية أخرى في الحادث نفسه.

بل على العكس، أكد كروزيتّو عدم وجود أضرار أخرى في المركبات أو المنشآت المستخدمة من جانب القوة الإيطالية.

لذلك فإن الربط بين إصابة الطائرة الإيطالية وبين تدمير أو إصابة عدد آخر من المقاتلات السعودية يحتاج إلى أدلة مستقلة. أما عسكرياً، فإن وجود طائرة أجنبية مصابة داخل قاعدة تعرضت لهجمات متعددة يكفي بحد ذاته لإثارة أسئلة حول مستوى اختراق أو تجاوز إجراءات الحماية، من دون الحاجة إلى تضخيم حجم الأضرار غير المثبتة.

المفارقة: قاعدة محمية.. وطائرة ثمينة تصاب على الأرض

تكمن المفارقة الأساسية في أن الطائرة التي أصيبت ليست هدفاً منخفض القيمة، بل مقاتلة أوروبية متقدمة من عائلة يوروفايتر، بينما كانت موجودة داخل قاعدة عسكرية محمية.

وهذا يوضح أحد جوانب الحرب غير المتناظرة: القيمة الاقتصادية والتكنولوجية للهدف لا تعني بالضرورة ارتفاع كلفة استهدافه بالنسبة للطرف الآخر.

فالمقاتلة المتقدمة تحتاج إلى بنية تحتية ضخمة حتى تتحول إلى قوة قتالية: مدرج، ووقود، وذخائر، وصيانة، وقيادة وسيطرة، ودفاع جوي، وحماية أرضية. وكلما أصبح جزء من هذه البنية معرضاً للهجوم، اضطر الطرف صاحب التفوق التكنولوجي إلى تخصيص موارد أكبر لحماية أصوله بدلاً من استخدامها في العمليات الهجومية.

وهنا تكمن قيمة استهداف القواعد الجوية في الحروب الممتدة: ليس المطلوب دائماً تدمير الأسطول الجوي؛ يكفي أحياناً إجباره على الاختباء وإعادة الانتشار وتقليص وتيرة الطلعات.

من التفوق الجوي إلى «قابلية البقاء»:

المعادلة الأهم التي تطرحها حادثة الطائف ليست ما إذا كانت «تايفون» أفضل من الصواريخ أو الطائرات المسيرة، فهذا تبسيط تقني للمسألة.

المعادلة الحقيقية هي قابلية بقاء القوة الجوية تحت الضربات.

فالدولة التي تمتلك عشرات المقاتلات الحديثة قد تواجه مشكلة عملياتية إذا اضطرت إلى تشتيتها باستمرار أو نقلها إلى قواعد أكثر أمناً أو وضعها داخل ملاجئ محصنة، لأن ذلك يرفع زمن الاستجابة ويعقد الصيانة والتسليح والتزود بالوقود.

ومن هذه الزاوية، فإن إصابة طائرة إيطالية واحدة لا تكفي وحدها للقول إن «التفوق الجوي السعودي انتهى»، لكنها تقدم مؤشراً عملياً على أن القواعد الجوية نفسها أصبحت هدفاً في المعادلة، وأن حماية الطائرات على الأرض أصبحت جزءاً مركزياً من المعركة.

وعليه يمكن القول:

إصابة «تايفون» الإيطالية تكشف تحولاً في طبيعة الحرب أكثر مما تكشفه قيمة الطائرة المصابة نفسها. فالطائرات التي كانت تُستخدم لضرب اليمن من قواعد آمنة نسبياً باتت قواعد تمركزها عرضة للخطر، وهذا يغيّر حسابات القوة الجوية من معادلة «من يملك الطائرة الأكثر تطوراً؟» إلى معادلة أكثر تعقيداً: من يستطيع إبقاء طائراته حية وجاهزة للقتال تحت النار؟

والأكثر حساسية أن الضربة أصابت أصلاً عسكرياً أجنبياً داخل قاعدة سعودية. وهذا يعني أن كلفة استمرار الحرب لم تعد محصورة في الرياض وصنعاء؛ فكلما اتسع حضور القوى الأجنبية في القواعد السعودية، اتسعت معها دائرة المخاطر السياسية والعسكرية. وما بدأ باعتباره إسناداً دفاعياً للسعودية يمكن أن يتحول تدريجياً إلى عبء على الدول المشاركة، إذا أصبحت قواتها ومعداتها أهدافاً مباشرة داخل مسرح الحرب.

لهذا، فإن حادثة الطائف لا تثبت وحدها انهيار الدفاع الجوي السعودي، لكنها تكشف هشاشة الفكرة القائلة إن التفوق التكنولوجي يحسم المعركة بمجرد امتلاك مقاتلات متقدمة. فالطائرة الأقوى في السماء تظل هدفاً ثابتاً على الأرض، والقاعدة التي يفترض أن تكون منصة للقوة يمكن أن تتحول، تحت ضغط الضربات المتكررة، إلى نقطة استنزاف تجبر صاحبها على إنفاق مزيد من الموارد لحماية أدوات الحرب بدلاً من استخدامها.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com