“تقرير“| الحصار البحري اليمني يعيد رسم الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر: كيان الاحتلال يبحث عن كسر الطوق من بوابة “أرض الصومال”..!

7٬994

أبين اليوم – خاص 
لا يزال الحصار البحري اليمني المفروض على كيان الاحتلال قائماً، لا بفعل استمرار العمليات العسكرية، بل نتيجة الأثر التراكمي العميق الذي خلّفته تلك العمليات على معادلات الملاحة والتأمين والتجارة الدولية. فميناء أم الرشراش المحتلة (إيلات) ما زال عاجزاً عن استئناف نشاطه، والسفن الإسرائيلية لا تزال غائبة عن ممر البحر الأحمر، رغم عودة تدريجية لخطوط الشحن العالمية إلى هذا الممر الحيوي في ظل وقف إطلاق النار في غزة.

هذا الواقع الجديد دفع كيان الاحتلال إلى البحث عن مسارات بديلة لكسر العزلة البحرية، ليس عبر حلول اقتصادية مباشرة، بل من خلال محاولة تغيير المشهد الجيوسياسي ذاته، عبر الاندفاع نحو تثبيت وجود استراتيجي في إقليم “أرض الصومال” المطل على باب المندب وخليج عدن. خطوة تعكس انتقال المواجهة من مستوى التأثير الاقتصادي إلى مستوى الصراع على السيطرة والنفوذ الإقليمي طويل الأمد، بما يحوّل البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة استراتيجية مفتوحة النتائج.

كيان الاحتلال محروم من البحر الأحمر:

في أقصى شمال البحر الأحمر، يعيش ميناء أم الرشراش (إيلات)، البوابة الجنوبية لكيان الاحتلال، حالة شلل شبه كامل. فوقف إطلاق النار في غزة وتوقف العمليات البحرية اليمنية لم يكونا كافيين لإعادة الحياة إلى الميناء، إذ تواصل شركات الشحن رفض الإبحار إليه، رغم زوال التهديد المباشر بالقصف أو الاستهداف العسكري.

وتشير التقارير الإسرائيلية إلى أن جوهر الأزمة يكمن في موقف شركات التأمين، التي ترفض حتى اللحظة تغطية الرحلات المتجهة إلى الميناء. هذا الرفض يعكس قناعة راسخة داخل قطاع التأمين والشحن بأن المخاطر المرتبطة بالبحر الأحمر، بالنسبة لإسرائيل تحديداً، لم تعد ظرفية أو مرتبطة بجولة تصعيد مؤقتة، بل أصبحت جزءاً بنيوياً من واقع الصراع.

الأضرار التي لحقت بالسفن المرتبطة بميناء إيلات – من احتجاز وغرق واستهداف مباشر – أسست لتصنيف الميناء كمنطقة عالية المخاطر بشكل دائم. ولهذا، فإن إعادة الثقة التأمينية تبدو مسألة شبه مستحيلة، أو على الأقل بعيدة المدى، في ظل صراع مفتوح وقابل للاشتعال في أي لحظة.

حتى المحاولات اليائسة لإدارة الميناء، مثل التفكير في شراء أو استئجار سفن واستخدامها كذراع شحن خاص، تصطدم بالعقبة ذاتها: موافقة شركات التأمين. وهو ما يجعل هذه الحلول مكلفة وغير قابلة للتطبيق العملي.

ولا يقتصر التأثير على الميناء وحده، بل يشمل كامل منظومة الشحن الإسرائيلية. فعلى الرغم من عودة شركات عالمية كبرى – مثل “ميرسك” – إلى البحر الأحمر، فإن السفن المملوكة لكيان الاحتلال ما زالت غائبة تماماً. وحتى شركة “زيم” الإسرائيلية، التي أعلنت استعدادها للعودة، لم تحصل على الضوء الأخضر التأميني.

وتؤكد شركة “أمبري” البريطانية للأمن البحري أن المخاطر لا تزال “مرتفعة بالنسبة للشحن المرتبط بإسرائيل، ومنخفضة بالنسبة لمعظم الشحنات الأخرى”، ما يعني أن الملاحة الإسرائيلية باتت مستثناة عملياً من “الوضع الطبيعي” الجديد في البحر الأحمر. وبذلك، تحوّل الحصار البحري اليمني من أداة ضغط عسكرية مؤقتة إلى واقع جيوسياسي ثابت يحرم إسرائيل من البحر الأحمر كمنفذ ملاحي مباشر.

– “موطئ قدم” في باب المندب لتغيير الواقع:

في أقصى جنوب البحر الأحمر، يسعى كيان الاحتلال إلى التعامل مع جذور المشكلة لا مظاهرها، عبر محاولة تثبيت موطئ قدم في إقليم أرض الصومال. فالمشكلة، من منظور إسرائيلي، لم تعد مجرد شلل ميناء أو ارتفاع تكاليف الشحن، بل فقدان السيطرة على ممر مائي استراتيجي كان يشكل ركناً أساسياً في مشاريع النفوذ الإقليمي.

يدرك كيان الاحتلال أن إقناع شركات التأمين بتجاهل احتمال تجدد المواجهة مع اليمن أمر شبه مستحيل، وأن الحلول الترقيعية – كتحويل الشحن عبر المتوسط وقناة السويس – مكلفة وغير مستدامة. لذا، تتجه نحو باب المندب، حيث ترى أن أصل التهديد يكمن في الجنوب، في وجود قوة يمنية استطاعت فرض سيادتها على ممر دولي حساس، وهزيمة البحرية الأمريكية، وتحويل البحر الأحمر إلى جبهة مقاومة متقدمة.

هذا التحول لم يهدد فقط سلاسل التوريد الإسرائيلية، بل قوض مشاريع استراتيجية أوسع، مثل بناء تحالفات إقليمية رسمية في إطار “الشرق الأوسط الجديد”، الذي يُعد البحر الأحمر أحد أعمدته الأساسية.

ربط المنطقة بكيان الإحتلال عبر “أرض الصومال”:

تسوق إسرائيل وجودها المحتمل في أرض الصومال كمدخل لبناء تحالفات إقليمية جديدة تحت عناوين “المصالح المشتركة” و”مكافحة الإرهاب” و”تأمين الملاحة”. ويقلل مسؤولون إسرائيليون من شأن الاعتراضات الإقليمية، معتبرين أن إسرائيل باتت “لاعباً إقليمياً قوياً”.

في المقابل، تكشف مراكز أبحاث إسرائيلية أن نجاح هذا التوجه مشروط بتنسيق عميق مع الولايات المتحدة والإمارات، والاستفادة من البنية التحتية العسكرية واللوجستية القائمة في الإقليم. الهدف هو إدماج التواجد الإسرائيلي ضمن هياكل إقليمية أوسع تمنحه شرعية واستدامة، وتخفف من ردود الفعل المعاكسة.

غير أن هذا المسار لا يهدف فقط إلى استباق نفوذ صنعاء، بل إلى استعادة مساحة نفوذ أُغلقت بفعل السيطرة اليمنية على باب المندب. فالحصار البحري فرض شبه إجماع إقليمي على ربط التصعيد في البحر الأحمر بالعدوان على غزة، وأفشل محاولات واشنطن وتل أبيب لحشد دول المنطقة ضد صنعاء تحت شعار “حرية الملاحة”.

معركة حسم السيطرة على البحر الأحمر:

فشل البحرية الأمريكية في كسر الحصار اليمني أفضى إلى واقع جيوسياسي جديد، بات فيه البحر الأحمر عبئاً أمنياً على إسرائيل بدل أن يكون رافعة نفوذ. وإذا فشلت تل أبيب في تغيير هذا الواقع عبر بوابة أرض الصومال، فإن النتائج ستكون أعمق من مجرد خسارة موقع جغرافي.

إعلان صنعاء استعدادها لاستهداف أي وجود إسرائيلي في الإقليم الصومالي، ورفع سقف الاستهداف ليشمل المراكز والمنشآت كافة، يحول هذا التوجه الإسرائيلي إلى مغامرة عالية المخاطر. فالقرب الجغرافي من اليمن، وتجربة صنعاء المتراكمة في تطوير قدراتها الاستخباراتية والعسكرية، يجعلان أي وجود إسرائيلي هدفاً دائماً.

ويرى محللون غربيون أن أي تصعيد من هذا النوع سيزيد الضغط على الملاحة، ويعمّق عدم الاستقرار في محيط باب المندب، ما قد يحوّل العلاقة مع أرض الصومال نفسها إلى عبء سياسي وأمني على الإقليم، بدلاً من أن تكون بوابة اعتراف دولي.

وعليه يمكن القول:

ما فرضه الحصار البحري اليمني لم يكن مجرد تعطيل مؤقت لميناء أو إرباك لسلاسل التوريد، بل تحوّل استراتيجي أعاد تعريف البحر الأحمر كمساحة صراع سيادي، لا كساحة نفوذ مفتوحة للقوى الكبرى.

اندفاع كيان الاحتلال نحو أرض الصومال يعكس إدراكاً عميقاً بأن فقدان البحر الأحمر يعني فقدان أحد أعمدة مشروعه الإقليمي، لكن هذه الخطوة نفسها قد تفتح مواجهة أكثر خطورة، لا تملك تل أبيب ضمانات حقيقية لإدارتها أو حسمها.

وفي حال أخفق كيان الاحتلال في تثبيت وجوده جنوب البحر الأحمر، فإن ذلك سيكرس انتصاراً استراتيجياً لصنعاء وجبهة المقاومة، ويحوّل البحر الأحمر من بوابة نفوذ إسرائيلي محتملة إلى عنوان دائم لعزلته، بما يهدد مستقبل مشروع “الشرق الأوسط الجديد” برمته، لا في تفاصيله، بل في جوهره الوجودي.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com