“تقرير خاص“| ميناء عدن بين الجغرافيا المعطَّلة وصراع المصالح: كيف أُخرج أحد أهم موانئ العالم من معادلة المنافسة..!
أبين اليوم – خاص
لم يُعطَّل ميناء عدن صدفة، ولم يتراجع دوره بفعل الحرب وحدها، بل جرى تفريغه بهدوء، وعلى مراحل، وبأدوات سياسية وعسكرية واقتصادية متداخلة، حتى تحول من أصل سيادي استراتيجي إلى مرفق محدود الوظيفة، منزوع التأثير، ومُبعد عمدًا عن خارطة التجارة الدولية.
في قلب هذا الواقع العجيب يقف سؤال جوهري: كيف يُشل أحد أهم الموانئ الطبيعية في العالم، عند واحدة من أخطر عقد الملاحة الدولية، في وقت تتسابق فيه الدول لتحويل مرافئها إلى منصات ترانزيت عابرة للقارات؟ وهل يمكن تفسير ذلك بالفشل الإداري أو الظروف الأمنية، أم أننا أمام نموذج متكامل لتعطيل المنافسة وإعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية بالقوة؟
منذ إخراج شركة موانئ إماراتية من إدارة الميناء مطلع 2017، لم يشهد ميناء عدن أي مسار حقيقي للتطوير، رغم انتهاء الذريعة التعاقدية، وتوفر الحاجة، واستمرار الطلب العالمي على موانئ بديلة منخفضة الكلفة وقريبة من خطوط الملاحة.
بالمقابل، شهدت المدينة تحولات ميدانية لافتة: صعود قوى مسلحة مرتبطة بالإمارات، إحكام السيطرة على الأرض، وتحييد الميناء عن أي دور يتجاوز الاستيراد المحلي.
اللافت أن هذا التعطيل لم يكن صريحًا أو معلنًا، بل جرى تحت غطاء “التشغيل الطبيعي”، بينما في الواقع تم إغلاق كل المسارات التي يمكن أن تحوّل عدن إلى ميناء ترانزيت دولي: لا استثمارات نوعية، لا توسعة، لا تسويق عالمي، ولا قرار سيادي مستقل. ميناء مفتوح شكليًا.. ومعطّل وظيفيًا.
هذا الواقع ينطلق من فرضية أساسية: أن ما جرى في ميناء عدن لا يمكن فصله عن صراع المصالح الإقليمية، ولا عن النموذج الاقتصادي القائم على احتكار الموانئ والخدمات اللوجستية في الإقليم. فحين يهدد موقع عدن بإعادة توزيع حركة التجارة، يصبح تعطيله خيارًا استراتيجيًا، لا خطأً عابرًا.
سنحاول هنا تتبع خيوط القصة: من القرارات السياسية، إلى الوقائع الميدانية، إلى دور الفاعلين الإقليميين، وصولًا إلى الأثر الاقتصادي الكارثي على اليمنيين. لأن القضية ليست منشأة مهملة، بل فرصة تاريخية جرى إخراجها من المعادلة، واقتصاد أُبقي رهينة، وسيادة دُفنت بصمت.
أولاً: القيمة الجغرافية والاقتصادية لميناء عدن:
يمتلك ميناء عدن ميزتين استراتيجيتين نادرتين في عالم الموانئ. الأولى، كونه ميناء ترانزيت مثالي على خط الملاحة الدولي بين أوروبا وشرق آسيا، بما يتيح للسفن تفريغ وإعادة شحن الحاويات إلى أسواق متعددة، وهو ما يدر عوائد ضخمة من رسوم العبور والخدمات اللوجستية.
والثانية، دوره كمحطة تموين وخدمات بحرية، تتيح موقعه للسفن التزود بالوقود، وإجراء الصيانة، والاستفادة من الخدمات المرتبطة بالنقل البحري، فضلًا عن كونه بوابة ربط طبيعية بين البحر والأسواق الخليجية عبر البر.
ولو جرى تفعيل هذين الدورين بكامل الطاقة، لكان ميناء عدن اليوم منافسًا مباشرًا لكبرى موانئ المنطقة، وليس مجرد مرفق خدمي محدود النشاط.
ثانيًا: موانئ الإمارات ونموذج الهيمنة الاقتصادية:
تعتمد الإمارات، وخصوصًا دبي، على قطاع الموانئ كأحد أعمدة نموذجها الاقتصادي. ويُعد ميناء جبل علي أحد أكبر موانئ الحاويات عالميًا، مستفيدًا من الاستقرار الأمني والسياسي، وغياب منافسين مباشرين على المسار الملاحي نفسه.
غير أن تشغيل ميناء عدن بكامل طاقته يشكل تهديدًا مباشرًا لهذا النموذج، إذ يقدم بديلًا أقل كلفة، وأقرب جغرافيًا لخطوط الملاحة الدولية. وهذا ما قد يدفع شركات الشحن العالمية إلى إعادة توزيع عملياتها، وتقليص اعتمادها على موانئ الإمارات، وهو سيناريو لا يخدم المصالح الاقتصادية الإماراتية.
ثالثًا: من استعادة السيادة إلى تحييد الميناء:
عندما ألغت الحكومة اليمنية اتفاقية تشغيل ميناء عدن مع شركة موانئ إماراتية مطلع عام 2017، بدا القرار حينها محاولة لاستعادة السيطرة السيادية على أحد أهم الأصول الوطنية. إلا أن هذا القرار تزامن مع تحولات ميدانية عميقة، أبرزها بروز المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة عسكرية وسياسية مهيمنة في عدن، وانتقال السيطرة الفعلية على الأرض والموانئ إلى أطراف مرتبطة بالإمارات.
وفق هذا السياق، لم يتجه المسار نحو تطوير الميناء، بل نحو تحييده عن المنافسة، عبر حصر نشاطه في الاستيراد المحلي للتجار اليمنيين، ومنع تحوله إلى منصة ترانزيت إقليمية أو دولية، بما يضمن بقاء موانئ الإمارات في موقع الصدارة.
رابعًا: ميناء مفتوح.. لكن معطَّل:
القول إن ميناء عدن “مفتوح” يظل توصيفًا مضللًا ما لم يُطرح السؤال الجوهري: كيف يعمل الميناء، وبأي طاقة؟ فثمة فارق كبير بين ميناء يستقبل شحنات محدودة للاستهلاك المحلي، وميناء ترانزيت دولي تتنافس عليه كبريات شركات الملاحة العالمية.
في الحالة الأولى، يبقى الأثر الاقتصادي هامشيًا. أما في الحالة الثانية، فهي التي تصنع الفارق الحقيقي في الدخل القومي، وفرص العمل، وتدفق العملة الصعبة، وتحريك قطاعات النقل والخدمات والتأمين والتخزين.
خامسًا: خسارة الفرصة التاريخية:
تُتداول تقديرات ضخمة حول الإيرادات المحتملة لميناء عدن في حال تشغيله بكفاءة عالية. ورغم اختلاف الأرقام، فإن جوهر القضية لا يكمن في حجم الإيرادات فحسب، بل في حقيقة أن تعطيل ميناء بهذا الحجم والموقع يعني تعطيل فرصة تاريخية لاقتصاد بلد بأكمله.
حتى تشغيل جزء بسيط من الطاقة الممكنة للميناء كان كفيلًا بإحداث تحول ملموس في الواقع المعيشي لملايين اليمنيين، وتقليص الاعتماد على المساعدات، وخلق مورد سيادي مستدام.
سادسًا: الجغرافيا ثابتة.. والقرار هو المتغير:
ليس من باب الحنين استحضار تاريخ ميناء عدن في خمسينيات القرن الماضي، حين كان أحد أكثر موانئ العالم ازدحامًا. فذلك الازدهار لم يكن معجزة إدارية، بل نتيجة حتمية للجغرافيا. وهذه الجغرافيا لم تتغير، بل الذي تغير هو القرار السياسي، ومن يملكه.
تعطيل الميناء اليوم لا يمكن فصله عن صراع المصالح الإقليمية، حيث تُستخدم أدوات السياسة والعسكرة لإعادة تشكيل الواقع بما يخدم نماذج اقتصادية لدول أقوى، على حساب سيادة دولة ضعيفة.
وعليه يمكن القول:
ليس تعطيل ميناء عدن حدثًا عابرًا ولا نتيجة إخفاق إداري أو ظرف أمني طارئ، بل هو فعل سياسي مقصود، جرى تنفيذه بوعي كامل بقيمة هذا الميناء وخطورته في معادلة الاقتصاد الإقليمي.
فحين يُشل أحد أهم الموانئ الطبيعية في العالم، عند عقدة الملاحة الدولية بين الشرق والغرب، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: لماذا تعثر؟ بل: من المستفيد من بقائه معطّلًا؟
ميناء عدن لا يمثّل مجرد منشأة خدمية، بل أصلًا سياديًا قادرًا – لو أُطلق – على إعادة تشكيل اقتصاد بلد منهك، وتحويل مدينة محاصرة سياسيًا إلى مركز ثقل تجاري إقليمي. ومن هنا تبدأ المعضلة. فالقضية لا تتعلق بقدرة الميناء أو جاهزيته، بل بتعارض مباشر بين وظيفة عدن الطبيعية، ونماذج اقتصادية إقليمية تقوم على احتكار خطوط الملاحة وإقصاء أي منافس محتمل على المسار نفسه.
في هذا السياق، يصبح تعطيل الميناء سياسة لا فشلًا، وخيارًا استراتيجيًا لا نتيجة عرضية. فالإبقاء على عدن كميناء استيراد محدود، منزوع الدور الدولي، يضمن تحييده عن المنافسة، ويُفرغ الجغرافيا من مضمونها، ويحوّل السيادة الاقتصادية إلى ملف مؤجّل بلا أفق.
إن ما جرى في عدن خلال السنوات الماضية يكشف عن نمط متكرر في إدارة الصراعات الإقليمية: حين تعجز الدولة الضعيفة عن حماية أصولها الاستراتيجية، تتحول هذه الأصول إلى أدوات تفاوض أو أوراق تعطيل، لا إلى روافع تنمية. وهنا لا يُدار الصراع بالسلاح فقط، بل بإعادة تعريف وظيفة المكان نفسه.
من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة وضع ميناء عدن خارج إطار صراع المصالح الإقليمية، حيث تتقاطع الجغرافيا مع النفوذ، والاقتصاد مع العسكرة، والسيادة مع نماذج الهيمنة. فالقضية ليست ميناءً لم يعمل، بل قرارًا بأن لا يعمل، وثمن هذا القرار تدفعه دولة كاملة، لا مدينة واحدة.