“سويسرا“| رئيس وزراء كندا يهزّ سردية النظام الدولي من دافوس: لم يعد ممكنًا العيش داخل كذبة القواعد الأمريكية..!

5٬881

أبين اليوم – خاص 

أقرّ رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، بأن النظام الدولي القائم على ما يُعرف بـ«القواعد»، والذي أسسته الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، بُني جزئيًا على أكاذيب ممنهجة استفادت منها دول، من بينها كندا، داعيًا الدول المتوسطة القوة إلى التوحد في مواجهة واقع دولي جديد لم يعد يسمح بـ«العيش داخل كذبة».

جاء ذلك في خطاب وُصف بالتاريخي ألقاه كارني، الأربعاء، خلال فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، تضمّن انتقادات حادة وغير مسبوقة لطبيعة النظام الدولي ودور القوى العظمى في تقويضه.

وقال كارني إن بلاده كانت تدرك أن رواية «النظام الدولي القائم على القواعد» لم تكن سوى سردية جزئية، إذ إن الدول القوية لطالما استثنت نفسها من تلك القواعد عندما يتعارض الالتزام بها مع مصالحها، مشيرًا إلى أن القواعد التجارية طُبقت بصورة غير متكافئة، فيما خضع القانون الدولي لمعايير مزدوجة تختلف باختلاف هوية المتهم أو الضحية.

وأوضح أن الهيمنة الأميركية أسهمت، في مراحل سابقة، في توفير ما وصفه بـ«المنافع العامة»، مثل ضمان الممرات المفتوحة، واستقرار النظام المالي العالمي، والأمن الجماعي، ودعم آليات حل النزاعات، وهو ما دفع دولًا مثل كندا إلى الانخراط في هذا النظام وتجاهل التناقضات بين الخطاب والممارسة.

وأضاف كارني أن هذه «الصفقة» لم تعد صالحة، مؤكدًا أن العالم لا يمر بمرحلة انتقالية، بل يشهد قطيعة حقيقية، بعد أن كشفت أزمات العقدين الماضيين في مجالات التمويل والصحة والطاقة والجيوسياسة مخاطر الاعتماد المفرط على التكامل العالمي.

وأشار إلى أن القوى العظمى باتت تستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح، والتعريفات الجمركية كأدوات ضغط، والبنية التحتية المالية كوسائل للإكراه، فيما تحولت سلاسل التوريد إلى نقاط ضعف قابلة للاستغلال.

وخاطب كارني الحضور بالقول إنه لا يمكن الحديث عن منفعة متبادلة في ظل تكامل يتحول إلى مصدر للتبعية، معتبرًا أن الدول المتوسطة القوة، ومنها كندا، ازدهرت في ظل النظام السابق، غير أن هذا النظام «لن يعود».

ودعا رئيس الوزراء الكندي هذه الدول إلى التحرك الجماعي، محذرًا من أن من لا يكون حاضرًا على طاولة صنع القرار سيكون «على قائمة الطعام»، في إشارة إلى مخاطر افتراس القوى الكبرى للدول المتوسطة.

وأكد أن العالم يتجه نحو نظام قائم على الإكراه الاقتصادي، حيث تسعى الولايات المتحدة والصين وروسيا إلى توسيع نفوذها بلا اعتبار للمصالح المشتركة، مشيرًا إلى أن كندا تسعى للتكيّف مع هذا الواقع عبر تنويع شراكاتها التجارية، بما في ذلك اتفاقات مع الصين وقطر، وتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة.

وختم كارني بدعوة متجددة للدول المتوسطة القوة إلى التعاون دفاعًا عن سيادتها، في وقت تتزايد فيه النزعات التوسعية للقوى الكبرى، وذلك على هامش منتدى دافوس الذي شهد توجيه انتقادات لاذعة لواشنطن، على خلفية تهديداتها الأخيرة بالسيطرة على جزيرة غرينلاند.

تحليل:

يمثل خطاب مارك كارني لحظة اعتراف نادرة من داخل المنظومة الغربية نفسها، حيث كسر أحد قادتها الكبار المحظور السياسي المتمثل في التشكيك العلني بسردية «النظام الدولي القائم على القواعد».

فالإقرار بأن هذا النظام كان انتقائيًا، ويُدار بمعايير مزدوجة، لا يصدر عادة عن خصوم الولايات المتحدة، بل عن شركاء استفادوا طويلًا من مظلته السياسية والاقتصادية.

الأهم في خطاب كارني أنه لا يكتفي بالنقد الأخلاقي، بل يقدّم تشخيصًا بنيويًا للتحول الجاري في النظام العالمي، حيث لم يعد التكامل الاقتصادي أداة استقرار، بل وسيلة هيمنة وإكراه. هذا التحول يضع الدول المتوسطة القوة أمام معضلة وجودية: إما التكتل لحماية هامش سيادتها، أو القبول بدور التابع في صراع العمالقة.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة دعوة كارني على أنها محاولة استباقية لإعادة تموضع كندا داخل نظام دولي يتشكل بالقوة لا بالقواعد، واعتراف ضمني بأن مرحلة الاحتماء بالمظلة الأميركية قد انتهت.

كما أن الخطاب يعكس تصدّعًا متزايدًا داخل المعسكر الغربي نفسه، حيث لم تعد واشنطن قادرة على تسويق قيادتها بوصفها «خدمة للنظام العالمي»، بل باتت تُرى كقوة تستخدم النظام أداة لتحقيق مصالحها الخاصة، حتى على حساب أقرب حلفائها.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com