“تقرير“| فاتورة “الفوضى الممنهجة” في إيران.. قراءة في أبعاد الاستهداف ونتائج الصدام..!

7٬669

أبين اليوم – خاص 

لم تكن شرارة الأحداث الأخيرة في إيران مجرد انفجار لحظي لمطالب شعبية، بل كشفت الحصيلة المرعبة للخسائر عن وجه آخر للصراع؛ وجهٌ يرسم ملامح “حرب هجينة” استهدفت تقويض أركان الدولة من الداخل.

إن قراءة الأرقام الصادرة عن الجهات السيادية لا تشير إلى “أعمال شغب” فحسب، بل تؤكد وجود استراتيجية “تفكيك البنية الخدمية” لتحويل حياة المواطن اليومية إلى جحيم لا يطاق، ودفعه نحو كفر كامل بمؤسساته الوطنية.

استهداف “شرايين الحياة”: من الخدمة إلى الشلل:

تجاوز المخطط التخريبي حدود التظاهر السلمي ليدخل في سياق “الإرهاب اللوجستي”. إن إخراج 305 سيارات إسعاف وحافلة عن الخدمة، وتفجير محطات الوقود، ليس فعلاً عشوائياً، بل هو محاولة لقطع “شرايين الحياة” التي تربط الدولة بمواطنيها. الهدف هنا مزدوج: شل قدرة المنظومة الصحية على الإنقاذ، وخلق حالة من العزلة الجغرافية والخدمية تضع النظام أمام عجز عملياتي ميداني.

البنوك والمساجد: ضرب “العصب” و”الرمز”:

في قراءة أعمق لـ”بنك الأهداف”، نجد أن تدمير 750 فرعاً بنكياً يمثل طعنة في قلب الاستقرار المالي الهش، وهي محاولة صريحة لتحويل الغضب السياسي إلى “فوضى اقتصادية شاملة”.

أما الاعتداء على 350 مسجداً وحرق المصاحف واستهداف الحوزات، فهو انتقال من الصراع مع “السلطة” إلى الصراع مع “الهوية والثقافة”. هذا النوع من التخريب يهدف إلى إحداث صدمة نفسية في الوجدان الجمعي الإيراني، وضرب الركائز العقائدية التي تشكل اللحمة الوطنية، مما ينذر بمحاولة لجر البلاد نحو فتنة مجتمعية لا تُبقي ولا تذر.

العزلة الرقمية ورهان السيادة:

يأتي قرار تقييد “الإنترنت الدولية” كاعتراف ضمني بضراوة المعركة في الفضاء السيبراني. فالدولة التي تواجه “خلايا إرهابية” تتلقى إحداثياتها من الخارج، وجدت نفسها مضطرة لقطع حبال التواصل الرقمي لمنع تحول المنصات الافتراضية إلى غرف عمليات لإدارة الحرق والتدمير.

هذا الإجراء، رغم كلفته، يعكس إدراكاً عميقاً بأن المعركة لم تعد تدور في الشوارع فقط، بل في خوادم تديرها قوى خارجية وعلى رأسها واشنطن.

الخلاصة:

إن المشهد الراهن يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة عارية: ما جرى كان محاولة لـ “سحق الدولة” عبر تدمير مدارسها، ومساجدها، وبنوكها، وحتى وسائط إنقاذ جرحاها.

إنها معركة بين مفهوم “الدولة الوطنية” وبين “الفوضى الممنهجة” التي تُدار كأداة ضغط سياسي دولي. وتؤكد الأرقام أن حجم الدمار الذي طال ممتلكات المواطنين العاديين (700 متجر و800 سيارة مدنية) يسقط القناع عن أي ادعاء بالدفاع عن حقوق الشعب، ليظهر الوجه القبيح لمخطط يهدف إلى إحراق الوطن بمن فيه لتحقيق غايات جيوسياسية.

معركة “ترميم الثقة” وما بعد احتواء النيران:

بينما تنحسر موجة الدخان فوق المنشآت المتفحمة، تجد الدولة الإيرانية نفسها أمام تحدٍّ لا يقل ضراوة عن المواجهة الأمنية الميدانية، وهو “معركة استعادة الثقة”. إن حجم الخسائر التي طالت الممتلكات الخاصة والمرافق الخدمية يفرض على صانع القرار في طهران التحرك في مسارين متوازيين لضمان عدم تكرار هذا السيناريو:

1. هندسة الأمان الاجتماعي وإعادة الإعمار:

لن يكون كافياً ملاحقة “الخلايا المخربة” قانونياً، بل يتطلب المشهد استجابة سريعة لتعويض المتضررين من أصحاب المتاجر والمنازل التي طالها الحرق. إن سرعة إعادة تأهيل الـ 200 مدرسة والمرافق الصحية المعطلة ستكون هي “الاختبار الحقيقي” لكفاءة الدولة في إثبات حضورها كراعية للمصلحة العامة، وليس فقط كقوة ضابطة للأمن.

2. تفكيك سردية “الفوضى” مقابل “الإصلاح“:

على السلطات الإيرانية صياغة خطاب سياسي وإعلامي جديد يفرق بوضوح بين “الحق في الاعتراض” وبين “التورط في التخريب”. إن كسب الرأي العام يتطلب شفافية في عرض الأدلة التي تربط المجموعات التخريبية بالقوى الخارجية، لإقناع الشارع بأن استهداف سيارات الإسعاف والمساجد لم يكن يوماً جزءاً من مطالبهم، بل كان طعنة في خاصرة الوطن والمواطن معاً.

3. السيادة الرقمية والبدائل الوطنية:

استشرافياً، من المتوقع أن تسرع إيران من وتيرة استكمال “الشبكة الوطنية للمعلومات”. فالدرس المستفاد من أزمة “الإنترنت الدولية” هو ضرورة إيجاد بنية رقمية تضمن استمرار حياة الناس ومصالحهم التجارية بمعزل عن التهديدات الأمنية الخارجية، مما يقلل من وطأة “العزلة الرقمية” في أي أزمات مستقبلية.

المحصلة النهائية:

إن الدولة الإيرانية، وهي تلملم جراح البنية التحتية، تدرك أن التحصين الحقيقي ضد “المخططات الممنهجة” يبدأ من الداخل؛ عبر تمتين الجبهة الداخلية وتضييق الفجوات التي قد تتسلل منها القوى الخارجية. إن النجاح في “الترميم المادي” للمباني يجب أن يرافقه “ترميم معنوي” للعلاقة بين المواطن وأجهزته الخدمية والأمنية، لقطع الطريق نهائياً على استراتيجية “تفكيك الدولة” من الداخل.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com