“تقرير“| حزب الله يعيد رسم ميزان القوة.. استنزافٌ يُسقط رهانات “إسرائيل” ويقود إلى توازن ردع جديد..!
أبين اليوم – تقارير
شهدت المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة، وكلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تحولًا لافتًا مع عودة حزب الله إلى واجهة الصراع، ليس كقوة داعمة فحسب، بل كفاعل رئيسي يمتلك أدوات تأثير ميداني واستراتيجي.
ومن خلال انخراطه إلى جانب إيران، أظهر الحزب قدرة متجددة على ضرب العمق الإسرائيلي باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتوازي مع التصدي لمحاولات توغل الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، في مؤشر واضح على استعادة قدراته العسكرية وتعزيز قوة الردع.
ميدانيًا، تعكس معارك جنوب لبنان واقعًا معقدًا للجيش الإسرائيلي، الذي أقر بسقوط قتلى وجرحى في صفوفه منذ بدء الهجوم البري، ما يكشف صعوبة العمليات البرية وعجزها عن تحقيق حسم سريع. ومع فشل التوغل في فرض سيطرة كاملة، اتجهت المعركة تدريجيًا نحو نمط حرب استنزاف مفتوحة.
وفي تطور نوعي، كشفت وسائل إعلام عبرية عن اقتراب المقاومة اللبنانية من استهداف قيادات عسكرية ميدانية إسرائيلية في القطاع الغربي من جنوب لبنان، ما يعكس مستوى متقدمًا من الاختراق الاستخباراتي والقدرة العملياتية.
كما برزت فعالية الحزب في استهداف تجمعات القوات المتوغلة، وسط تحذيرات إسرائيلية من تحول الجبهة اللبنانية إلى “فيتنام إسرائيل”.
وتشير المعطيات إلى أن القرى الحدودية تحولت إلى نقاط استنزاف للقوات الإسرائيلية، حيث تواجه محاولات التقدم مقاومة شديدة تعيق تثبيت أي سيطرة دائمة. وفي موازاة ذلك، يواصل الحزب استهداف مراكز القيادة والقواعد اللوجستية في شمال إسرائيل، ما يفرض ضغطًا استراتيجيًا يقيّد قدرة الجيش الإسرائيلي على إدارة المعركة بكفاءة.
سياسيًا، تعكس مواقف بنيامين نتنياهو تراجعًا عن الأهداف المعلنة للحرب، التي كانت تستهدف نزع سلاح حزب الله. وقد تجلى ذلك في التوجه نحو توسيع المنطقة العازلة على الحدود اللبنانية، كبديل عن تحقيق حسم عسكري شامل.
ويأتي هذا التحول في ظل إدراك متزايد داخل إسرائيل بأن أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار مع إيران سيشمل الجبهة اللبنانية، ما يدفعها لمحاولة فرض وقائع ميدانية قبل الوصول إلى التسوية، بما في ذلك السعي لإقامة منطقة عازلة حتى نهر الليطاني، رغم التحديات الكبيرة.
في المقابل، تتزايد المؤشرات على اقتراب نهاية مسار الحرب، خاصة مع تصريحات دونالد ترامب التي ألمحت إلى إمكانية إنهائها حتى دون تحقيق كامل الأهداف. وفي حال التوصل إلى اتفاق مع إيران، فإن إسرائيل ستكون مضطرة للانخراط فيه، ما يعني عمليًا وقف العمليات في لبنان وفق الشروط المرتبطة بالتهدئة الشاملة.
ضمن هذا السياق، تبدو مخرجات المواجهة مرشحة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، بما يحدّ من حرية الحركة الإسرائيلية داخل لبنان ويكرّس توازنًا عسكريًا جديدًا.
داخليًا، قد ينعكس هذا التحول على المشهد السياسي اللبناني، حيث يُرجّح أن يؤدي تعاظم القوة العسكرية لحزب الله إلى تعزيز نفوذه السياسي، في ظل تراجع فعالية الضغوط الخارجية المدعومة من واشنطن وتل أبيب.
في المحصلة، تشير مجريات الميدان ومسارات السياسة إلى أن حزب الله نجح في إعادة تثبيت موقعه كقوة فاعلة في معادلة الصراع، فيما تواجه “إسرائيل” تحديات متزايدة في تحقيق أهدافها، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوازنات.
وعليه يمكن القول:
النقطة الجوهرية في هذا المشهد ليست فقط عودة حزب الله إلى القتال، بل طبيعة هذه العودة: فهي عودة ضمن “نموذج حرب مركبة” يجمع بين الردع الصاروخي، والاستنزاف البري، والاختراق الاستخباراتي.
هذا النموذج يعكس تطورًا نوعيًا في عقيدة الحزب القتالية، ويضع الجيش الإسرائيلي أمام معضلة استراتيجية مزدوجة: عجز عن الحسم السريع، وكلفة متصاعدة للاستمرار في الحرب.
في المقابل، يظهر أن إسرائيل بدأت فعليًا في خفض سقف أهدافها من “القضاء على التهديد” إلى “إدارته واحتوائه”، وهو تحول كلاسيكي في الحروب غير المتكافئة عندما تفشل القوة النظامية في تحقيق نصر حاسم.
أما الولايات المتحدة، فتبدو أقرب إلى تبني مقاربة “إغلاق الصراع” بدل توسيعه، ما يعزز فرص التسوية.
بناءً على ذلك، فإن النتيجة الأرجح ليست انتصارًا حاسمًا لأي طرف، بل تثبيت توازن ردع جديد أكثر صرامة، تكون فيه كلفة المبادرة العسكرية أعلى بكثير، خصوصًا بالنسبة لإسرائيل. وهذا التحول، إذا ترسخ، قد لا يقتصر على الجبهة اللبنانية، بل يمتد ليؤثر على مجمل بنية الصراع الإقليمي في المرحلة المقبلة.