“تقرير“| صفقة الأسرى.. هل تكون “بوابة العبور” نحو صرف المرتبات وإنعاش الاقتصاد اليمني..!

7٬895

أبين اليوم – تقارير 

في الوقت الذي يغرق فيه الإقليم في تجاذبات كبرى، أثبت اليمنيون أنهم يمتلكون مفاتيح حلحلة الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عشر سنوات، متى ما أُتيحت لهم الفرصة للجلوس وجهاً لوجه بعيداً عن صخب الأجندات الخارجية، وذلك هو ما أكده التوقيع الخميس على اتفاق تبادل الأسرى، في أكبر صفقة تبادل تتم منذ سنوات.

من العاصمة الأردنية عمان، انبثقت صفقة تبادل الأسرى الكبرى التي تشمل 1728 محتجزاً، لتكون بمثابة إعلان سيادي بأن الإرادة المحلية قادرة على اجتراح الحلول وتفكيك العقد التي استعصت على الحل لسنوات، وهي عقد لم تكن يمنية المنشأ في جوهرها، بل كانت نتيجة لسياسات التصلب التي غذتها الاستقطابات الإقليمية والدولية.

وبمجرد حدوث تقارب في وجهات النظر بين الأطراف المحلية، بعيدا عن التأثيرات والضغوط الخارجية، انسابت التفاهمات لتشمل أعداداً غير مسبوقة، مما يعزز القناعة السائدة بأن “الطاولة اليمنية” هي الأقدر على إنتاج سلام مستدام يتجاوز القوالب الجاهزة التي ترسمها القوى الدولية.

ولا يمكن قراءة هذا النجاح الإنساني بمعزل عن نقد الدور المعطل الذي لعبته التدخلات الخارجية على مدار عقد من الزمن؛ حيث ساهم تدخل التحالف بقيادة السعودية، والغطاء السياسي والعسكري الأمريكي، في إطالة أمد الصراع وتحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات.

ويذهب مراقبون إلى أن الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، كانت الطرف الأكثر تعطيلاً لخطوات “خارطة السلام” الأممية مؤخراً، إذ وظفت واشنطن الملف اليمني لخدمة مصالحها الجيوسياسية، مما أدى إلى عرقلة تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها سابقاً وحال دون إحراز تقدم في ملفات السلام والحل الشامل.

وفي هذا السياق، جاءت مباركة مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى بصنعاء، للاتفاق وإبداء الاستعداد لتقديم كافة التسهيلات، لتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، حيث تُقرأ هذه الخطوة كرسالة سياسية قوية، مفادها أن صنعاء جاهزة للذهاب نحو تصفية شاملة للسجون وفق قاعدة “الكل مقابل الكل”، شريطة أن تكف الأطراف الدولية عن استخدام الملفات الإنسانية كأوراق ضغط أو أدوات لابتزاز الشعب اليمني.

وفي الشارع اليمني، قوبلت هذه الأنباء بابتهاج واسع، لكنه ابتهاج لا يخلو من “فوبيا الانتكاسات” التي رافقت جولات سابقة، فبالنسبة لليمنيين، لا يتوقف الانعكاس الحقيقي لهذه الصفقة عند حدود عودة الأسرى إلى أسرهم وقراهم، بل في قدرتها على مد “جسر ثقة” يعبر فوقه المتفاوضون لمناقشة ملفات أكثر سخونة تمس حياة الملايين، وعلى رأسها صرف مرتبات الموظفين المقطوعة، وتوحيد العملة الوطنية التي يعاني الريال من انهيارها التاريخي بسبب الانقسام المالي.

ويمثل إنجاح هذه الخطوة- بحسب مراقبين- مطلبا شعبياً متزايداً لترجمة التهدئة العسكرية إلى استقرار معيشي ملموس ينهي معاناة طال أمدها، وهو ما لن يتحقق إلا بتنفيذ استحقاقات السلام كاملة، من إنهاء للتحركات العسكرية، ورفع للحصار، وتطبيع الأوضاع الاقتصادية، وصرف مرتبات الموظفين، وتعويض المتضررين، وإعادة الإعمار وجبر الضرر الذي لحق بالبلاد بشكل عام.

ويرى محللون أن القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق المهم في ملف الأسرى، تتمثل في كسر جدار اليأس، وهي شهادة حية على أن اليمنيين هم الأقدر على مداواة أنفسهم متى ما رفعت القوى الكبرى يدها عن شؤونهم.

مضيفين أنه إذا كفت العواصم الإقليمية والدولية عن التدخل في تفاصيل الشأن اليمني، فإن الطريق يصبح ممهداً ليس فقط لتبادل الأسرى، بل لإعادة توحيد المؤسسات السيادية وتصدير الثروات الوطنية لصالح الشعب بعيداً عن الارتهان للوصاية.

ومع ترقب تنفيذ عملية التبادل، تتجه الأنظار نحو القوى الدولية؛ فيما يبرز تساؤل جوهري مفاده: هل تسمح واشنطن وحلفاؤها لقطار السلام اليمني بالانطلاق، أم سيستمر التدخل الخارجي في حرمان اليمنيين من حقهم في الاستقرار والعيش الكريم؟

تحليل:

لم تكن صفقة تبادل الأسرى مجرد اتفاق إنساني عابر، بل مثلت صفعة سياسية مدوية لكل القوى التي بنت نفوذها في اليمن على استمرار الحرب وإدامة الانقسام. فبمجرد أن جلس اليمنيون إلى طاولة واحدة بعيداً عن الإملاءات الخارجية، بدأت العقد التي استعصت لسنوات بالتفكك سريعاً، وهو ما يكشف بوضوح أن الجزء الأكبر من الأزمة لم يكن يمنياً خالصاً، بل صُنع ورُعِيَ خارجياً لخدمة مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي.

كما تعكس الصفقة حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن القوى الدولية التي رفعت شعارات السلام طوال السنوات الماضية كانت، في كثير من الأحيان، جزءاً من تعطيل مساراته، عبر استخدام الملف اليمني كورقة مساومة ضمن صراعات أوسع تتعلق بالممرات البحرية والطاقة وإعادة تشكيل النفوذ في المنطقة. ولهذا فإن أي تقدم حقيقي نحو السلام يبقى مرهوناً بمدى قدرة اليمنيين على انتزاع قرارهم الوطني من قبضة الوصاية الخارجية.

والأهم أن نجاح هذه الخطوة يضع الأطراف الدولية أمام اختبار حقيقي؛ فإما السماح بتحويل التفاهمات الإنسانية إلى مسار سياسي واقتصادي شامل ينهي الحرب ويرفع الحصار ويعيد بناء مؤسسات الدولة، أو العودة مجدداً إلى سياسة إدارة الأزمة وإبقاء اليمن ساحة مفتوحة للاستنزاف والفوضى.

وفي جميع الأحوال، أثبتت هذه الصفقة أن السلام في اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الوسطاء بقدر ما يحتاج إلى رفع الأيدي الخارجية عن مصير اليمنيين.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com