“واشنطن“| تحقيق أمريكي: مليارات الترحيل الجماعي تتحول إلى صفقات مشبوهة لصالح مقربين من ترامب..!

5٬890

أبين اليوم – واشنطن 

كشف تحقيق صحفي أمريكي عن شبهات فساد واسعة تحيط بصفقات أبرمتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشراء مستودعات وتحويلها إلى مراكز احتجاز للمهاجرين، وسط اتهامات بتحقيق شخصيات وشركات مرتبطة بالرئيس أرباحًا طائلة من أموال دافعي الضرائب.

وذكر موقع “اتحاد أكثر اكتمالا” الأمريكي أن وزارة الأمن الداخلي، خلال إدارة الوزيرة السابقة كريستي نويم، خصصت نحو 40 مليار دولار لإنشاء شبكة ضخمة من مراكز الاحتجاز المؤقتة، ضمن خطة ترامب للترحيل الجماعي للمهاجرين، عبر شراء عشرات المستودعات في ولايات مختلفة وتحويلها إلى منشآت قادرة على استيعاب ما بين ألف وعشرة آلاف شخص لكل مركز.

وقالت الصحفية ماي رايان، التي شاركت في التحقيق، إن مراجعة العقود كشفت “أمرا غير طبيعي”، موضحة أن العديد من المستودعات كانت معروضة للبيع منذ سنوات دون مشترين، قبل أن تشتريها الحكومة الأمريكية بأسعار وصفتها بـ”المبالغ فيها بشكل هائل”.

وأشارت إلى أن أحد المستودعات في مدينة سوكورو بولاية تكساس، والذي كانت قيمته التقديرية تبلغ نحو 11 مليون دولار، بيع لوكالة الهجرة والجمارك الأمريكية مقابل 123 مليون دولار، محققا أرباحا تتجاوز ألف بالمئة.
كما كشف المحلل العسكري السابق والصحفي الاستقصائي مايكل ويستون، الذي تتبع الصفقات، أن وزارة الأمن الداخلي دفعت في معظم الحالات مبالغ تفوق بكثير القيم السوقية الحقيقية للعقارات.

ووفق التحقيق، اشترت الوكالة مستودعا في مدينة سيربرايز بولاية أريزونا بأكثر من 70 مليون دولار رغم أن قيمته السابقة لم تتجاوز 12 مليونا، كما اشترت منشأة في ولاية جورجيا بنحو 130 مليون دولار رغم أن تقديراتها السابقة كانت تدور حول 30 مليونا فقط.
وأضاف التقرير أن عددا من هذه العقارات كانت مملوكة لشركات ومؤسسات مالية تربطها علاقات وثيقة بإدارة ترامب أو بداعمين سياسيين للرئيس الأمريكي.

ففي ولاية نيوجيرسي، اشترت الحكومة مستودعا بأكثر من 129 مليون دولار رغم أن قيمته المقدرة كانت نحو 54.6 مليون دولار، وكان العقار مملوكا لبنك “غولدمان ساكس”، الذي عمل فيه عدد من مسؤولي إدارة ترامب السابقين.

وفي ولاية بنسلفانيا، دفعت وكالة الهجرة والجمارك قرابة 120 مليون دولار لشراء مستودع لا تتجاوز قيمته 60 مليونا، وكان مملوكا لشركة استثمار خاصة يملك أو يستثمر فيها عدد من المقربين من ترامب، بمن فيهم الرئيس نفسه عبر صناديق استثمارية مرتبطة بالشركة.

أما في مدينة سولت ليك سيتي، فقد اشترت الحكومة مستودعا مقابل 145 مليون دولار رغم أن قيمته لم تتجاوز 97 مليونا، مع خطط لتحويله إلى مركز احتجاز يتسع لعشرة آلاف مهاجر. وكان العقار مملوكا لـ”دويتشه بنك”، الذي سبق أن منح ترامب قروضا بمليارات الدولارات على مدى سنوات.

ويرى ويستون أن هذه العمليات لم تكن مجرد صفقات عقارية عادية، بل جزء من شبكة مصالح مترابطة بين السياسة ورجال الأعمال المقربين من الإدارة الأمريكية.

وقال إن “الخطة وضعت من قبل أشخاص مقربين للغاية من البيت الأبيض، كانوا يمتلكون عقارات تكبدهم خسائر سنوية، ثم جرى اتخاذ قرار بشرائها بأموال عامة”.

وأشار التحقيق إلى أن هذه الصفقات تأتي ضمن نمط أوسع من العقود الحكومية التي استفادت منها شركات داعمة لترامب، من بينها شركتا “جيو غروب” و”كور سيفيك” المتخصصتان في إدارة السجون الخاصة، واللتان حصلتا على أكثر من 2.8 مليار دولار من عقود وكالة الهجرة والجمارك، مع تقديمهما تبرعات مالية كبيرة لحملات ترامب الانتخابية.

ورغم تأكيد الإدارة الأمريكية أن مراكز الاحتجاز تستهدف “المجرمين الخطرين”، أظهرت البيانات أن معظم المحتجزين خلال الولاية الثانية لترامب لا يملكون سجلات جنائية.

كما تحدث محتجزون سابقون عن ظروف احتجاز صعبة، شملت نقص الغذاء والرعاية الصحية، إضافة إلى مزاعم بوقوع انتهاكات وسوء معاملة داخل بعض المنشآت.

وبحسب التقارير، أنفقت وزارة الأمن الداخلي حتى الآن نحو مليار دولار فقط من أصل أكثر من 38 مليار دولار خصصت للمشروع، بينما تخطط الإدارة لإنشاء شبكة احتجاز قادرة على استيعاب أكثر من 100 ألف شخص عبر أكثر من 20 منشأة في أنحاء البلاد.

ووفقا لتتبع ويستون، ألغيت 13 صفقة على الأقل بعد احتجاجات وضغوط شعبية، إلا أن الحكومة الأمريكية تمتلك بالفعل طاقة احتجازية تتجاوز 41 ألفًا و500 شخص.
وختم ويستون بالقول: “ما يجري اليوم أمر لم أتخيل يوما أن أراه في الولايات المتحدة”.

تحليل:

لا تكمن خطورة هذه القضية في حجم الأموال المنفقة فحسب، بل في طبيعة العلاقة التي يكشفها التحقيق بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية الخاصة. فحين تتحول سياسات الهجرة إلى سوق استثمارية تدر أرباحاً استثنائية على جهات مرتبطة بمراكز القرار، يصبح من الصعب الفصل بين الدوافع الأمنية المعلنة والمصالح المالية الكامنة خلفها.

وما يثير القلق أكثر هو أن مشروعاً بهذا الحجم يُبنى على خطاب سياسي متشدد تجاه المهاجرين، بينما تتدفق مليارات الدولارات إلى شركات وبنوك ومستثمرين مقربين من دوائر النفوذ.

وإذا ثبتت هذه المزاعم، فإن القضية لن تكون مجرد هدر للأموال العامة، بل نموذجاً صارخاً لتوظيف السلطة في إعادة توزيع الثروة لصالح شبكة مصالح ضيقة تحت غطاء الأمن القومي وإنفاذ قوانين الهجرة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com