القاهرة في مواجهة أبوظبي.. تقرير بريطاني يقلب الإعلام المصري رأساً على عقب..!
أبين اليوم – وكالات
سلطت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية الضوء على ما وصفته بتحول متسارع في موازين التأثير الإقليمي بين مصر والإمارات، مشيرة إلى أن الدولة التي عرفت تاريخيا بثقلها السكاني والسياسي في العالم العربي باتت تواجه صعود قوة خليجية صغيرة جغرافيا لكنها توسعت بصورة كبيرة في مجالات المال والاستثمار والنفوذ السياسي حتى على مصر نفسها.
وأوضح التقرير الذي حمل عنوان “أم الدنيا في مواجهة الوافد الجديد” أن القاهرة ما تزال تمتلك عناصر قوة تقليدية تتمثل في عدد السكان، والموقع الجغرافي، والإرث السياسي والثقافي، إلا أن التحولات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة فتحت المجال أمام أبوظبي لتعزيز حضورها الإقليمي عبر أدوات مالية واستثمارية واسعة النطاق.

وأشار التقرير إلى أن الإمارات عملت على توسيع شبكة تأثيرها في ملفات متعددة داخل المنطقة، مستفيدة من فوائضها المالية وقدرتها على التحرك السريع في مشاريع البنية التحتية والاستثمارات الكبرى والشراكات الاقتصادية، في وقت تواجه فيه مصر تحديات اقتصادية وضغوطا مرتبطة بالديون وتراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأضافت المجلة أن العلاقة بين الطرفين لا تقوم على التنافس المباشر فحسب، بل تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والسياسية، إذ أصبحت الاستثمارات الخليجية أحد المكونات الرئيسية في دعم الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية.
ورأى التقرير أن المشهد الإقليمي يشهد إعادة تشكيل تدريجية لأدوات النفوذ التقليدية، حيث لم يعد حجم السكان أو الثقل التاريخي وحدهما معيارا للحضور السياسي، بل أصبحت القوة الاقتصادية والقدرة على إدارة الاستثمارات العابرة للحدود عنصرا حاسما في صناعة التأثير داخل المنطقة.
في المقابل شهدت وسائل الإعلام المصرية المقربة من السيسي موجة هجوم واسعة على مجلة “الإيكونوميست” البريطانية عقب نشر تقريرها المعنون “أم الدنيا في مواجهة الوافد الجديد” وتصدرت البرامج الحوارية والمقالات الصحفية ومنصات إعلامية مصرية حالة من الانتقاد الحاد للتقرير، معتبرة أنه يتبنى قراءة سياسية تستهدف التقليل من مكانة مصر الإقليمية وإظهارها في صورة دولة فقدت جزءا من ثقلها التاريخي لصالح قوى إقليمية صاعدة.
واتهم إعلاميون وكتاب مصريون المجلة البريطانية بالاعتماد على ما وصفوه بفرضيات انتقائية تتجاهل محددات القوة المصرية التقليدية، وعلى رأسها الموقع الجغرافي والثقل السكاني والدور السياسي الذي لعبته القاهرة على مدى عقود في المنطقة.
كما اعتبر معلقون أن التقرير حاول تصوير العلاقات المصرية الإماراتية باعتبارها علاقة نفوذ وتأثير غير متوازن، في حين أكدوا أن طبيعة العلاقة بين البلدين تقوم على المصالح المتبادلة والشراكات الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة.
ويأتي هذا الجدل الإعلامي في ظل حساسية متزايدة داخل الأوساط المصرية تجاه التقارير الغربية التي تتناول الأوضاع الاقتصادية المهترأة والدور الإقليمي للقاهرة، خاصة مع استمرار التحديات الاقتصادية والتحولات السياسية التي تشهدها المنطقة.
تحليل:
يكشف الجدل الذي أثاره تقرير “الإيكونوميست” عن معركة أعمق من مجرد مقارنة بين مصر والإمارات، فهو يسلط الضوء على التحول التاريخي الذي تشهده المنطقة في تعريف القوة والنفوذ.
فبينما كانت القاهرة لعقود طويلة تستند إلى ثقلها السكاني ودورها السياسي المركزي، برزت أبوظبي خلال السنوات الأخيرة كنموذج جديد يعتمد على المال والاستثمار وإدارة الشبكات الاقتصادية العابرة للحدود.
ولهذا لم يُنظر إلى التقرير في مصر باعتباره مادة تحليلية فحسب، بل باعتباره مساساً بصورة الدولة ودورها التقليدي في قيادة العالم العربي. وتكشف حدة الردود الإعلامية المصرية حجم القلق من اتساع الفجوة بين النفوذ التاريخي والنفوذ الاقتصادي المعاصر، في وقت أصبحت فيه مراكز التأثير تُقاس بقدرة الدول على توظيف رؤوس الأموال وصناعة التحالفات الاقتصادية أكثر من اعتمادها على الإرث السياسي وحده.
ومن هنا فإن السجال الدائر لا يتعلق بمقال صحفي بقدر ما يعكس صراعاً متنامياً على هوية القوة العربية ومن يمتلك زمام القيادة في مرحلة إقليمية تشهد إعادة رسم موازين النفوذ بصورة غير مسبوقة.