“تقرير“| الرياض تعيد رسم المشهد الجنوبي.. ماذا يكشف احتجاز وفد الانتقالي عن مستقبل موازين القوى..!

7٬889

أبين اليوم – تقارير 

لم يعد ما كشفته وسائل إعلام تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي بشأن أوضاع وفده الموجود في العاصمة السعودية الرياض مجرد تفاصيل إدارية أو خلافات عابرة، بل بات يحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة تكشف عن طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلتها العلاقة بين السعودية والمجلس، في ظل التحولات التي يشهدها جنوب اليمن منذ مطلع عام 2026.

وبحسب ما تداولته وسائل إعلام الانتقالي، فإن أعضاء الوفد خضعوا لتحقيقات منفردة، وصودرت هواتفهم الشخصية، كما لا يزال السماح لهم بالعودة إلى عدن مؤجلاً رغم مرور نحو شهرين على طلبهم العودة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول حقيقة وضع قيادات المجلس داخل الرياض، وطبيعة الدور الذي باتت تلعبه السعودية في إدارة ملف المجلس بعد قرار حله.

وتشير هذه التطورات إلى أن قرار حل المجلس في يناير الماضي لم يكن إجراءً تنظيمياً معزولاً، وإنما جاء ضمن مسار سياسي أوسع تقوده الرياض لإعادة هندسة المشهد في المحافظات الجنوبية. كما أن ما نشرته وسائل إعلام الانتقالي عن الضغوط التي سبقت إعلان الحل يعزز الانطباع بأن القرار ارتبط بتوجهات سعودية هدفت إلى إعادة ترتيب القوى الموالية لها بما يتوافق مع رؤيتها للمرحلة المقبلة.

وتحمل الإجراءات الأمنية التي تحدثت عنها وسائل إعلام المجلس دلالات لافتة، إذ إن إخضاع أعضاء وفد سياسي لتحقيقات فردية ومصادرة وسائل اتصالهم لا يعد من الإجراءات المعتادة مع حلفاء سياسيين، بل يعكس رغبة في إحكام الرقابة على تحركاتهم واتصالاتهم، ويشير إلى تراجع مستوى الثقة بين الطرفين مقارنة بما كانت عليه العلاقة خلال السنوات الماضية.

كما أن استمرار تأجيل عودة الوفد إلى عدن يضيف بعداً آخر للأزمة، إذ يصعب تفسير بقاء القيادات خارج مناطق نفوذها طوال هذه الفترة باعتباره مجرد تأخير إداري، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الجنوبية. ويعزز ذلك فرضية أن بقاء الوفد في الرياض يرتبط بحسابات سياسية وأمنية لم تكتمل بعد، وأن القرار النهائي بشأنه لا يزال مرهوناً بتقديرات القيادة السعودية.

وفي الوقت ذاته، ينعكس غياب قيادات المجلس عن الداخل الجنوبي بصورة مباشرة على قدرتها في إدارة قواعدها السياسية والعسكرية، إذ تحتاج أي قيادة إلى حضور ميداني للحفاظ على تماسك بنيتها التنظيمية والتفاعل مع المتغيرات المحلية. ويمنح هذا الغياب أطرافاً أخرى مساحة أوسع للتحرك وإعادة ترتيب موازين القوى على الأرض.

ويرى مراقبون أن توقيت تسريب هذه المعلومات عبر وسائل إعلام الانتقالي لم يكن عفوياً، بل يهدف إلى تفسير غياب القيادات أمام قواعدها الشعبية، وإلقاء مسؤولية استمرار هذا الغياب على الجانب السعودي، بما يحد من الانتقادات الداخلية التي قد تتصاعد بشأن تراجع حضور المجلس في المشهد السياسي والعسكري.

وفي المقابل، تبدو السعودية غير مستعجلة لإغلاق هذا الملف، إذ تشير المؤشرات إلى أنها تواصل إدارة مرحلة انتقالية تهدف إلى إعادة تشكيل السلطة المحلية في المحافظات الجنوبية، بما يتوافق مع أولوياتها الأمنية والسياسية. ويعكس استمرار الحديث عن أن الملف “قيد الدراسة” أن القرار النهائي بشأن مستقبل قيادات المجلس لم يُحسم بعد، أو أن توقيت تنفيذه مرتبط باستكمال ترتيبات أوسع داخل الجنوب.

وتأتي هذه التطورات في سياق التحولات التي شهدها جنوب اليمن منذ أواخر عام 2025، حيث برز النفوذ السعودي بصورة أكبر في عدد من المحافظات الجنوبية، بالتوازي مع تراجع الحضور الإماراتي المباشر، وهو ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ بين القوى المحلية وإعادة هيكلة التحالفات السياسية والعسكرية.

وفي هذا الإطار، لا يستبعد مراقبون أن يكون استمرار بقاء قيادات المجلس في الرياض جزءاً من سياسة تهدف إلى منع اتخاذ أي خطوات منفردة قد تؤثر على مسار الترتيبات الجارية، أو تعيد خلط الأوراق في الجنوب قبل اكتمال الرؤية السعودية بشأن شكل السلطة والقوى التي ستتولى إدارة المرحلة المقبلة.

وبذلك، فإن ما كشفته وسائل إعلام المجلس الانتقالي لا يقتصر على عرض تفاصيل تتعلق بوفد سياسي، بل يسلط الضوء على مرحلة جديدة من العلاقة بين الرياض والمجلس، عنوانها إعادة صياغة موازين النفوذ وإعادة تشكيل المشهد الجنوبي وفق ترتيبات يبدو أنها لا تزال قيد التنفيذ.

وعليه يمكن القول:

تكشف هذه المعطيات أن العلاقة بين السعودية والمجلس الانتقالي دخلت مرحلة تختلف جذرياً عن سنوات الشراكة السابقة، إذ لم يعد المجلس يتعامل بوصفه شريكاً يمتلك هامشاً مستقلاً في اتخاذ القرار، بل أصبح جزءاً من عملية إعادة هيكلة أوسع تقودها الرياض لإعادة ترتيب مراكز النفوذ في جنوب اليمن.

ومن المرجح أن يرتبط حسم ملف قيادات المجلس بمستقبل التسوية السياسية الداخلية، وبطبيعة السلطة التي تسعى السعودية إلى بنائها في المحافظات الجنوبية.

كما أن استمرار غياب القيادات عن الداخل قد يؤدي إلى إضعاف تماسك المجلس تدريجياً، ويفتح المجال أمام بروز قوى وشخصيات جديدة أكثر انسجاماً مع التوجهات السعودية، بما يجعل المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من إعادة رسم الخريطة السياسية والعسكرية في الجنوب، في إطار صراع النفوذ الإقليمي وإعادة توزيع الأدوار بين القوى المحلية.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com