“تقرير“| واشنطن تعيد خلط أوراق هرمز.. هل انتهى زمن التفاهمات مع إيران..!
أبين اليوم – تقارير
تكشف التطورات الأخيرة عن دخول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما تجاوزت إطار الضربات العسكرية المتبادلة لتطال أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة، وهو أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية.
ووفقًا للموقف الإيراني، فإن الضربات الأمريكية الأخيرة، إلى جانب استهداف سفن سلكت مسارات تعتبرها طهران مخالفة لما نصت عليه مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد، تمثل خرقًا صريحًا للمادة الأولى من الاتفاق، التي تنص على احترام وقف إطلاق النار والالتزام بالترتيبات الأمنية المنظمة لحركة الملاحة.
ومن هذا المنطلق، ترى طهران أن التحركات الأمريكية الأخيرة لا تمثل مجرد تجاوز لبنود المذكرة، بل تعكس تحولًا في النهج الأمريكي تجاه التفاهمات التي أرست قواعد جديدة لإدارة الأمن البحري في المضيق.
وعلى هذا الأساس، أعلن الحرس الثوري تشديد إجراءات التفتيش والرقابة على السفن غير الملتزمة بمسارات العبور المعتمدة، مع التلويح بتجميد العمل بكامل الترتيبات المنبثقة عن مذكرة التفاهم إذا استمرت واشنطن في ما تصفه بانتهاك الالتزامات المتفق عليها، محملًا الإدارة الأمريكية المسؤولية الكاملة عن أي انهيار محتمل للاتفاق.
وفي المقابل، يمكن قراءة التصعيد الأمريكي باعتباره محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك التي أفرزتها مذكرة إسلام آباد، والتي منحت إيران دورًا أوسع في إدارة أمن الملاحة داخل مضيق هرمز.
فبينما قبلت واشنطن بهذه الترتيبات في مرحلة سابقة لتفادي انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، يبدو أن استمرارها بات يُنظر إليه داخل دوائر صنع القرار الأمريكية باعتباره تكريسًا لمعادلة استراتيجية تمنح طهران نفوذًا سياسيًا وأمنيًا متزايدًا يصعب القبول باستمراره.
وانطلاقًا من ذلك، يبرز احتمال أن تكون الولايات المتحدة تسعى إلى تقويض الاتفاق بصورة غير مباشرة، عبر خطوات ميدانية تستنزف فاعليته وتفرغه تدريجيًا من مضمونه، تمهيدًا لفرض مسار تفاوضي جديد يعيد توزيع الأدوار الأمنية في الخليج ويحد من المكاسب التي حققتها إيران بموجب المذكرة.
وفي المقابل، تحاول طهران توظيف هذا التصعيد لإثبات أن واشنطن هي الطرف الذي يقوض التفاهمات القائمة، بما يمنحها غطاءً سياسيًا وقانونيًا لاتخاذ إجراءات أكثر تشددًا في المضيق، مع الإبقاء على خطاب يؤكد أن استمرار التزامها بالاتفاق مرهون بالتزام الطرف الآخر ببنوده.
كما أن اتساع دائرة المواجهة لتشمل قواعد أمريكية في الخليج، بالتزامن مع استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، يعكس اتجاهاً نحو ربط مختلف ساحات الصراع في إطار معادلة ردع إقليمية واحدة.
ويشير ذلك إلى أن أي انهيار لمذكرة التفاهم لن تقتصر تداعياته على أمن الملاحة في مضيق هرمز، بل قد يمتد إلى مجمل البيئة الأمنية في المنطقة، بما يحمله ذلك من مخاطر متزايدة على حركة التجارة العالمية واستقرار أسواق الطاقة، ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطرابًا في توازنات الشرق الأوسط.
وعليه يمكن القول:
تشير المعطيات الحالية إلى أن الخلاف لم يعد يدور حول حوادث ميدانية معزولة أو تفسيرات متباينة لبنود مذكرة التفاهم، بل أصبح صراعًا على تحديد الجهة التي تمتلك حق رسم قواعد الأمن البحري في الخليج.
فالمواجهة الدائرة اليوم تعكس تنافسًا أوسع على إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من أي ترتيبات تمنح إيران دورًا مؤثرًا في إدارة أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، بينما تعتبر طهران أن الحفاظ على هذه الترتيبات يمثل اعترافًا عمليًا بمكانتها الإقليمية ونفوذها الأمني.
وفي حال استمرت الضغوط العسكرية والتصعيد المتبادل، فإن احتمالات انهيار التفاهمات القائمة ستزداد بصورة كبيرة، الأمر الذي قد يعيد مضيق هرمز إلى مرحلة المواجهة المفتوحة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدود الخليج لتطال الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وخطوط الملاحة الدولية.
كما أن أي انهيار للاتفاق لن يقتصر على فقدان آلية لتنظيم العبور البحري، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية، بما يجعل الشرق الأوسط أمام واقع أمني أكثر هشاشة وتعقيدًا من أي وقت مضى.