مقالات“| هرمز: نهاية الغزو الأمريكي والغربي في المشرق ونبوءة الجد سالم الخليفي قبل 170 عاماً..!

5٬883

أبين اليوم – خاص 

بقلم/ فيصل الخليفي:

في عمق الموروث الشفهي لأبناء الجزيرة العربية، وتحديداً في الوجدان التاريخي الممتد لـ خليفة بني هلال، تولد أحياناً كلمات تتجاوز عصرها لتفكك بدقة شفرات المستقبل.

ففي منتصف القرن التاسع عشر، وتحديداً في عام 1856م، وفي زمن كانت فيه القوى التقليدية تعيد رسم خرائط النفوذ، نطق الجد سالم بعلول الخليفي الهلالي بـ “فال” متواتر، تناقلته الأجيال كقصة شعبية من ملاحم آخر الزمان. قضى ذلك الاستشراف بأن حرباً ضروساً ستشتعل في “المشرق” (بلاد فارس والخليج)، يواجه فيها أهل الأرض غزاةً يأتون من وراء البحار، لينتهي الصراع بانتصار “أصحاب العمائم السود” وانكسار الغزاة وهروبهم نحو “بلاد الطليان” (البحر الأبيض المتوسط والمجال الأوروبي).

اليوم، ونحن نعيش بؤرة الحدث، يتجاوز هذا الفال أبعاده الحكائية ليتقاطع بشكل مثير ومدهش مع الواقع الجيوسياسي المتفجر في مضيق هرمز والخليج العربي، فاتحاً الباب أمام تساؤلات كبرى حول مصير الهيمنة الغربية ونشوء نظام عالمي جديد.

استشراف الهوية والزمن: الرموز القديمة في واقع اليوم:

حين تحدث الجد سالم بعلول الخليفي الهلالي في عام 1856م، لم تكن الخارطة السياسية الحالية قد تشكلت بعد؛ فإيران كانت تحت حكم الدولة القاجارية، ولم يكن لرجال الدين أصحاب “العمائم السوداء” دور في قيادة الدولة أو صياغة قرارها العسكري، وهو التحول الذي لم يحدث إلا مع قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. هذا الربط الدقيق بين الراية واللباس وبين جغرافيا “المشرق” يمثل أولى الإشارات الملفتة في هذا الموروث.

أما الإشارة إلى “الغزاة” وارتدادهم نحو “بلاد الطليان”، فهو تعبير شعبي بليغ في الأدبيات القديمة للإشارة إلى القوى الغربية وحلف الروم التاريخي، حيث ترمز إيطاليا (روما) في الوجدان الشعبي التاريخي للمنطقة إلى منبع الإمبراطوريات الغربية الكبرى وملاذ جيوشها البحرية في حوض المتوسط.

مضيق هرمز: جغرافيا جمر الصراع الحالي:

بالانتقال إلى المشهد السياسي المعاصر، نجد أن التوقعات التاريخية تجسدت في أشرس صراع يشهده المشرق حول ممرات الطاقة العالمية. تحول مضيق هرمز وبحر العرب إلى مسرح مواجهة مباشرة وغير مباشرة تعكس تماماً أركان النبوءة القديمة:

الذريعة والوجود الأجنبي: تبرر الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وحلفاؤهم الغربيون وجودهم العسكري الكثيف بحجج متعددة، بدأت بملف برنامج إيران النووي، وتطورت إلى حماية الملاحة الدولية وتأمين تدفق الطاقة العالمية. في المقابل، ترى القوى الإقليمية في المشرق هذا الحشد العسكري من مسافات تبعد 12 ألف ميل كـ “غزو وتعدٍّ” سافر على أمن المنطقة.

المواجهة بين العمائم والغرب: يقود المشهد في الجانب الشرقي للمضيق نظام سياسي وعسكري يرتدي قادته “العمائم السوداء” كرمزية دينية وسياسية، ويخوضون مواجهة استراتيجية طويلة الأمد لإخراج النفوذ الغربي من جغرافيا الخليج والمشرق.

السيناريوهات المفتوحة: كيف ستتحقق النبوءة؟:

عند إسقاط الواقع الحالي على استشراف الجد سالم، تبرز أمامنا سيناريوهات مثيرة لكيفية حدوث هذا الانكسار التاريخي المتوقع لقوى الغطرسة العالمية:

الصدام الشرقي-الغربي والمحاور الدولية: هل نرى تدخلاً مباشراً من القوى الشرقية الكبرى كـ روسيا، والصين، وكوريا الشمالية إلى جانب إيران؟ هذا السيناريو الجيوسياسي ليس ببعيد، خصوصاً مع تصاعد حدة الاستقطاب العالمي وتشكل محور شرقي قوي يسعى لكسر الهيمنة الأحادية لأمريكا وبريطانيا، مما قد يحول بحر العرب ومضيق هرمز إلى مقبرة لحاملات الطائرات والبوارج الغربية عبر تكنولوجيا الصواريخ الفرط صوتية والمسيرات الانقضاضية.

المعجزة الكونية والغضب الطبيعي: في ثنايا النبوءات القديمة، غالباً ما تتدخل الطبيعة كجندي خفي لحسم المعارك. فهل نشهد معجزة متمثلة في أمواج عاتية، أو أعاصير بحرية غير مسبوقة تبتلع هذه القلاع الحديدية العائمة قبالة مضيق هرمز وبحر العرب؟ إن حدوث مثل هذا الانكسار بفعل قوة قاهرة سيكون مصداقاً تاريخياً مذهلاً لزوال القوى الظالمة بأسباب خارجة عن الحسابات العسكرية التقليدية.

ولادة العالم الجديد: من غطرسة الاستعمار إلى واحة السلام:

إن النتيجة الحتمية لانكسار قوى العبث والاستعمار الغربي في الشرق لن تقف عند حدود الجغرافيا المحلية، بل ستكون حجر الأساس لولادة عالم جديد متعدد الأقطاب.

عالم تنهي فيه الشعوب حقبة طويلة من التبعية، والحروب المفتعلة، ونهب الثروات، لتبدأ مرحلة يسودها التوازن، والأمن، والسلام والخير. إن أفول نجم القطب الواحد الذي أذاق العالم الويلات، سيعني حتماً استرداد الأمم لسيادتها وتوجيه الطاقات العالمية نحو البناء والازدهار بدلاً من الدمار والمؤامرات.

حين يقرأ الموروث الجغرافيا السياسية: إن الربط بين ما نطق به الأجداد في عام 1856م وبين ما يدور اليوم من صراع إرادات بوارج الغرب في مواجهة قوى المشرق، يعكس عمق الرؤية التاريخية التي حظي بها أصحاب الحكمة من رجال خليفة بني هلال. لم يكن الجد سالم بعلول يملك أقماراً صناعية، لكنه ملك قراءة واعية لسنن التاريخ وتدافع الأمم فوق هذه الجغرافيا المشتعلة.

يبقى هذا الفال وثيقة شعبية حية تقرأ الواقع بعيون الماضي، وترقب كيف ستؤول موازين القوى؛ فهل تشهد الأيام المقبلة الانكسار التاريخي الكبير للغزاة وعودتهم يجرون أذيال الخيبة وراء البحار كما تنبأ الجد؟ وحده التاريخ كفيل بصياغة الجواب النهائي.

– سياسي ومحام وباحث يمني.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com