موقع “دزين رو” الروسي: كيف حوّل اليمن الدفاع الجوي المتواضع إلى تهديد للمقاتلات المتطورة..!

5٬992

أبين اليوم – وكالات

قال موقع “دزين رو” الروسي أن إعلان أنصار الله في 16 سبتمبر/أيلول 2026 عن إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15SA لم يكن حدثًا يمكن التعامل معه بمعزل عن التطور الذي شهدته قدرات الدفاع الجوي اليمنية خلال السنوات الماضية، حيث أعلنت الجماعة أن طائرة سعودية أُسقطت فوق محافظة مأرب بصاروخ أرض-جو محلي الصنع، ونشرت صورًا ومقاطع قالت إنها توثق عملية الاستهداف وحطام الطائرة.

وتساءل الموقع بالقول:” كيف تستطيع منظومات دفاع جوي محدودة الموارد، تعتمد على مزيج من الأنظمة القديمة والمعدلة محليًا، أن تشكل خطرًا على طائرات مقاتلة متقدمة؟”.

وأوضح أن الدفاع الجوي اليمني لا يعتمد بالضرورة على امتلاك منظومة واحدة متطورة تضاهي أحدث الأنظمة الغربية، وإنما الأهم هو طريقة دمج مجموعة من الوسائل المختلفة: رادارات، ومستشعرات كهروبصرية وحرارية، وصواريخ أرض-جو، فضلًا عن صواريخ جو-جو جرى تعديل بعضها للاستخدام من منصات أرضية.

وأشار إلى ان المواد المنشورة خلال السنوات الماضية تظهر وجود صواريخ يمنية معدلة تحت مسميات مختلفة، بينها منظومات تعتمد على صواريخ R-73 وR-27T الروسية الصنع، وتتميز هذه الصواريخ بباحث حراري سلبي، ما يعني أن الصاروخ يستطيع الاعتماد على البصمة الحرارية للهدف من دون الحاجة إلى تشغيل رادار بحث نشط.

كما ظهرت هذه الصواريخ على منصات إطلاق أرضية محمولة على شاحنات، وهنا تظهر أهمية تكتيك الكمين،

فبدل تشغيل رادار بصورة مستمرة وكشف موقع البطارية للعدو، يمكن استخدام مستشعرات كهروبصرية أو حرارية لرصد الطائرات بصورة سلبية، ثم تشغيل منظومة الإطلاق عندما يدخل الهدف إلى منطقة الاشتباك المناسبة.

ولفت إلى أن صور ومقاطع مرتبطة بالحادثة الأخيرة تشير إلى استخدام أنظمة تصوير حراري أمامية FLIR ضمن شبكة الدفاع الجوي اليمنية، وقد لفتت تقارير متخصصة في الطيران والدفاع إلى أن هذا النوع من المستشعرات ظهر سابقًا في أنشطة الدفاع الجوي اليمني، وهو ما يسمح بالرصد السلبي للطائرات وتقليل البصمة الإلكترونية للبطارية.

وقال الموقع إن من أكثر النقاط التي تحتاج إلى تدقيق في الحديث عن الدفاع الجوي اليمني القول إن جميع الأسلحة تأتي مباشرة من إيران.

وبيّن أن جزء من الترسانة يعود إلى أسلحة سوفيتية وروسية كانت موجودة في اليمن أصلًا، بينما جرى خلال السنوات اللاحقة تطوير بعض هذه الأسلحة وإعادة استخدامها بطرق مختلفة، وفي الوقت نفسه، تُنسب إلى إيران مساعدة تقنية وتسليحية لأنصار الله، لكن تحديد مصدر كل منظومة أو صاروخ على حدة يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يمكن افتراض أن كل سلاح يظهر في اليمن إيراني المنشأ.

وتشير مصادر متخصصة إلى استخدام صواريخ جو-جو روسية قديمة مثل R-73E وR-27T بعد تحويلها إلى أسلحة أرض-جو، فيما حملت بعض هذه التكوينات أسماء يمنية مثل «ثاقب».

كما عرضت القوات التابعة لسلطات صنعاء في مناسبات سابقة منظومات دفاع جوي محلية التطوير تحت أسماء مثل «برق-1» و«برق-2» و«فاطر»، وهو ما يعكس محاولة الاستفادة من المخزون القديم وإعادة هندسته بدل الاعتماد حصريًا على استيراد منظومات جديدة، حسب الموقع.

وأكد موقع دزين رو إن التكنولوجيا المتقدمة لا تعني أن الطائرة محصنة ضد جميع أنواع التهديدات، فالطائرة الحديثة تمتلك أنظمة متقدمة للحرب الإلكترونية والتحذير من الصواريخ، لكن فعاليتها تعتمد على طبيعة التهديد، وزاوية الاقتراب، ونوع الباحث المستخدم في الصاروخ، وقدرة الطيار والطائرة على اكتشافه في الوقت المناسب.

واعتبر أن الصاروخ الحراري السلبي يمثل تحديًا مختلفًا عن الصاروخ الموجه بالرادار؛ إذ لا يصدر بالضرورة إشارة رادارية واضحة تسمح للطائرة باكتشاف عملية الإطلاق بالطريقة التقليدية، وهذا يجعل المفاجأة التكتيكية عنصرًا أساسيًا في الدفاع الجوي اليمني: إخفاء المنصة، مراقبة المجال الجوي، انتظار دخول الهدف إلى منطقة مناسبة، ثم تنفيذ الاشتباك في اللحظة التي تكون فيها خيارات الطائرة محدودة.

وبشأن أهمية تهديد الطائرات، اعتبر إن التهديد الذي تشكله منظومات الدفاع الجوي غير المتناظرة لا يتعلق فقط بإسقاط الطائرة، وإنما بقدرتها على إجبار الطائرات الحديثة على تغيير مسارها أو تنفيذ مناورات دفاعية أو استخدام وسائل التشويش والخداع، مشيرا إلى أن نجاح الدفاع الجوي لا يُقاس فقط بعدد الطائرات التي أُسقطت، وإنما أيضًا بقدرته على تقييد حرية عمل الطيران المعادي ورفع تكلفة العمليات الجوية.

وعن المقاىنة بين الدفاع الجوي اليمن والإيراني، تساءل بالقول:” إذا كانت بعض التقنيات أو الخبرات الإيرانية قد ساهمت في تطوير القدرات اليمنية، فلماذا لا تحقق إيران دائمًا التأثير نفسه باستخدام منظوماتها الأكثر تعقيدًا؟”، موضحا بأن الإجابة المحتملة لا تكمن بالضرورة في نوع الصاروخ وحده، وإنما في البيئة العملياتية والتكتيكات.

وأوضح أن اليمن يعمل في بيئة جغرافية معقدة، ويعتمد على الانتشار، والإخفاء، واستخدام منصات متحركة، والاستفادة من التضاريس، وإعادة استخدام الأسلحة القديمة بطرق غير تقليدية. أما إيران فتدير شبكة دفاع جوي وطنية واسعة ومتعددة الطبقات، وتواجه بيئة عملياتية مختلفة تمامًا.

تكشف التجربة اليمنية، عن درس عسكري مهم: قدرة الدفاع الجوي لا تعتمد على أحدث صاروخ فقط، فالشبكة الفعالة يمكن أن تجمع بين مستشعرات بسيطة، وأنظمة حرارية، ورادارات، وصواريخ قديمة أعيد استخدامها، ومنصات متنقلة، وتكتيكات إخفاء وكمائن، وهكذا يتحول ما يبدو على الورق ترسانة متقادمة إلى تهديد حقيقي يجب على الطيارين أخذه في الاعتبار.

تحليل:

المغزى الأعمق للتجربة اليمنية أن التفوق التقني لا يلغي الحرب غير المتناظرة. فالمقاتلة الحديثة صُممت لتكون أكثر قدرة على الرصد والمناورة والحماية، لكن هذه الأفضلية تصبح أقل حسمًا عندما لا تعرف الطائرة مسبقًا أين توجد منصة الإطلاق، ولا متى ستظهر، ولا أي نوع من الباحثات سيستخدم ضدها.

ولهذا فإن المعادلة لا تختصر في «F-15 مقابل صاروخ قديم». المعادلة الحقيقية هي شبكة مقابل شبكة، وتكتيك مقابل تكتيك، وبيئة عملياتية مقابل بيئة عملياتية. وما تحاول صنعاء بناءه، وفق المعطيات المنشورة، ليس منظومة دفاع جوي تقليدية تضاهي الشبكات الغربية قطعة بقطعة، بل منظومة استنزاف تجعل التفوق الجوي نفسه أكثر كلفة وتعقيدًا.

والرسالة الأهم أن السلاح المتقادم لا يبقى متقادمًا بالضرورة عندما يُعاد إدماجه في منظومة مختلفة. فقد تتحول صواريخ قديمة ومستشعرات حرارية ومنصات متنقلة إلى أدوات لفرض قيود على حرية الطيران المعادي. وهنا تكمن قيمة التجربة: ليس في الادعاء بأن اليمن امتلك فجأة دفاعًا جويًا يضاهي القوى الكبرى، وإنما في إثبات أن الفارق الهائل في التكنولوجيا لا يعني تلقائيًا اختفاء قدرة الخصم على إزعاج الطيران المتفوق، واستنزافه، وإجباره على إعادة حساباته.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com