اتفاق مكة واليمن.. أنقرة تضع حدوداً للتدخل العسكري: تركيا تختار الدبلوماسية بدلاً من إرسال القوات..!
أبين اليوم – وكالات
في تطور يعيد فتح ملف «اتفاق مكة» وتداعياته المحتملة على المشهد اليمني، برز في تركيا موقف يضع حدوداً واضحة أمام القراءات التي ربطت الاتفاق السعودي ـ التركي ـ الباكستاني بإمكانية انتقال أطرافه إلى مواجهة عسكرية مباشرة داخل اليمن.
وقال رئيس مركز جينار للأبحاث في تركيا، إحسان أكتاش، في تصريحات صحفية، إن أنقرة لا تتجه إلى الانخراط في تدخل عسكري مباشر في اليمن، موضحاً أن ما طرحه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بشأن «اتفاق مكة» لا يعني بالضرورة إرسال قوات تركية إلى الساحة اليمنية.
وأوضح أكتاش، خلال مقابلة خاصة مع قناة الجزيرة، أن أشكال الدعم التي يمكن أن تقدمها الدول الموقعة على الاتفاق لا تنحصر في التدخل العسكري المباشر، مشيراً إلى أن طبيعة الاستجابة قد تتخذ «أشكالاً أكثر تعقيداً»، في ظل ما يترتب على الانخراط العسكري المباشر من خسائر وتداعيات على مختلف الأطراف.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ظل اتساع التساؤلات حول الوظيفة الفعلية للاتفاق، الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في 7 أغسطس/آب 2026، وينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، مع تطوير التعاون الدفاعي وتعزيز الردع المشترك.
ومنذ الإعلان عن الاتفاق، حرصت أنقرة على التأكيد على طبيعته الدفاعية. فقد أعلنت وزارة الدفاع التركية أن الاتفاق لا يحدد دولة بعينها بوصفها عدواً مشتركاً، وأن هدفه المعلن هو دعم الأمن والاستقرار الإقليميين وتطوير التعاون العسكري والقدرة على التحرك المشترك في مواجهة الأزمات المحتملة.
ولم يبق الاتفاق في مستوى الإعلان السياسي، إذ بدأت آلياته المؤسسية بالعمل عبر اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية التي عقدت اجتماعها الأول في إسطنبول بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان في الدول الثلاث. كما اتفقت الدول الثلاث لاحقاً على إنشاء أمانة عامة للاتفاق في السعودية.
لكن انتقال الاتفاق من الإطار الدفاعي إلى توظيفه في ملفات الصراع الإقليمي يظل مسألة أخرى. فوجود إطار للتعاون الدفاعي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد لا يعني تلقائياً أن تركيا أو باكستان ستدخلان عسكرياً في كل مواجهة تخوضها السعودية، ولا سيما في الساحة اليمنية، التي تحمل تعقيدات عسكرية وسياسية وجغرافية تتجاوز صيغة الدفاع الجماعي المنصوص عليها في الاتفاق.
وفي هذا السياق، يأتي الحديث عن المسار التركي القائم على الدبلوماسية متعددة الاتجاهات والحوار متعدد الأطراف ومحاولة توفير أرضية سياسية للحل اليمني، باعتباره مؤشراً إلى أن أنقرة تميز بين المشاركة في ترتيبات الردع الإقليمي وبين الانخراط المباشر في حرب اليمن.
تحليل:
المفارقة الأساسية في «اتفاق مكة» أن الرياض قد تنظر إليه باعتباره مظلة أوسع لإعادة بناء معادلة الردع الإقليمي، بينما تبدو أنقرة أكثر حرصاً على إبقاء الاتفاق ضمن إطار دفاعي لا يتحول تلقائياً إلى التزام مفتوح بالمشاركة في حروب الآخرين.
وهذا الفارق مهم بالنسبة لليمن تحديداً؛ لأن تحويل الاتفاق إلى أداة حرب يتطلب قراراً سياسياً وعسكرياً منفصلاً، وليس مجرد الاستناد إلى وجود الاتفاق الثلاثي.
والأهم أن تركيا لا تبدو مستعدة، وفق التصريحات المنسوبة إلى أكتاش، لتحويل «اتفاق مكة» إلى بوابة لإرسال قوات إلى اليمن. فإذا كان بإمكان أنقرة تقديم دعم سياسي أو استخباري أو دبلوماسي أو أشكال أخرى من التعاون، فإن ذلك يختلف جذرياً عن فتح جبهة عسكرية جديدة داخل اليمن. وهنا تتقلص مساحة الرهان على أن الاتفاق سيؤدي تلقائياً إلى تدويل الحرب عسكرياً.
في المحصلة، فإن «اتفاق مكة» قد يوسع شبكة التنسيق الدفاعي حول السعودية، لكنه لا يمنح الرياض تفويضاً تلقائياً لنقل الحرب اليمنية إلى تركيا أو باكستان. ويبقى الاختبار الحقيقي للاتفاق عند نقطة الانتقال من الردع إلى الاستخدام الفعلي للقوة؛ وهي النقطة التي يبدو أن أنقرة تحاول، حتى الآن، إبقاء المسافة بينها وبينها واضحة.