”ميثاق الشرف القبلي” في جنيف.. مؤامرة جديدة لإعادة هندسة العرف القبلي وتفكيك دوره الوطني..!

6٬995

أبين اليوم – خاص 

في تحرك جديد ضمن مسارات الحرب الناعمة على اليمن، تتجه مؤسسات ومراكز أمنية وبحثية دولية إلى استهداف البنية القبلية اليمنية، عبر محاولة إعادة صياغة مرجعياتها الاجتماعية وأعرافها وأسلافها التاريخية، وتفصيل ما يسمى “ميثاق الشرف القبلي” وفق أجندات ومشاريع خارجية تستهدف إعادة توجيه دور القبيلة وتحييدها عن مواقفها الوطنية والتاريخية المناهضة للتدخلات الأجنبية.

وفي هذا السياق، احتضنت العاصمة السويسرية جنيف، الخميس، ملتقى مخصصاً لمناقشة “ميثاق الشرف القبلي اليمني”، نظمه مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (DCAF)، بميزانية بلغت 300 ألف دولار أمريكي، تحت لافتة “تعزيز الدور القبلي في دعم الأمن والاستقرار”، وبمشاركة ناشطين وناشطات وشخصيات ومسؤولين موالين للسعودية، لا يمثلون الامتداد الحقيقي للقبيلة اليمنية ولا يعبرون عن إرادتها المستقلة،


ولا يتوقف الأمر عند تنظيم ملتقى في جنيف وإصدار وثيقة تحمل اسم “ميثاق الشرف القبلي”، بل يتصل بمحاولة إنشاء غطاء قبلي لمشروع سياسي وأمني يجري إعداده وإدارته من خارج اليمن، عبر استقطاب شخصيات محددة وتقديمها باعتبارها ممثلة للقبيلة اليمنية، ثم توظيف حضورها ومواقفها لإضفاء شرعية اجتماعية على مخرجات لم تنشأ من داخل البنية القبلية اليمنية، ولم تنطلق من مرجعياتها التاريخية أو إرادتها المستقلة.

وتكمن خطورة هذا المسار في أنه لا يستهدف القبيلة بوصفها تجمعاً اجتماعياً فحسب، بل يسعى إلى إعادة تعريف دورها ووظيفتها وموقعها في المعادلة الوطنية؛ فمن خلال التمويل والتدريب والمؤتمرات وصياغة المواثيق، يجري الدفع نحو إنتاج نخب قبلية مرتبطة بمراكز التأثير الخارجية، وتقديمها بوصفها مرجعيات بديلة قادرة على التحدث باسم القبائل وتحديد مواقفها.

وبذلك يتحول “ميثاق الشرف” من وثيقة يفترض أن تعبر عن توافق اجتماعي يمني إلى أداة محتملة لإعادة تشكيل التمثيل القبلي وتوجيهه، بما يجعل السؤال الجوهري ليس من وقّع الميثاق، بل من صاغه، ومن موّله، ومن يحدد أهدافه، ولصالح أي مشروع يجري توظيفه.

ويكشف انعقاد هذا الملتقى عن انتقال المؤسسات الأمنية والبحثية الدولية إلى مرحلة أكثر عمقاً في استهداف القبيلة اليمنية، من خلال الانتقال من أدوات الاستقطاب السياسي والمالي إلى محاولة إعادة هندسة منظومتها القيمية والاجتماعية، وتطويع أعرافها وأسلافها بما يتناسب مع المشاريع الخارجية.

فالمسألة لم تعد مقتصرة على استقطاب بعض الشخصيات أو التأثير في مواقفها، بل امتدت إلى محاولة صياغة مرجعية قبلية جديدة تتحكم في طبيعة الدور الذي ينبغي للقبيلة أن تؤديه، والحدود التي يجب ألا تتجاوزها.

ويأتي هذا الملتقى ضمن سلسلة من الأنشطة والورش والمؤتمرات التي نظمها مركز (DCAF) في جنيف وألمانيا وهولندا، ضمن دورته الثالثة التي توقفت منذ أكتوبر 2023، بالتزامن مع دخول القوات المسلحة اليمنية في معركة إسناد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. وتتمحور هذه الأنشطة حول عناوين من قبيل “إشراك القبائل اليمنية في بناء السلام” و”تعزيز الأمن والاستقرار”، بينما تتجه مخرجاتها نحو إعادة تعريف دور القبيلة وتقييد حضورها في المعادلات الوطنية والعسكرية، بما يخدم استراتيجية تحييدها عن مواجهة المشاريع الخارجية.

وتستهدف هذه التحركات مكوناً اجتماعياً يمتلك إرثاً تاريخياً عريقاً في مقاومة الغزاة والمحتلين، منذ المواجهات التاريخية التي خاضتها الممالك اليمنية القديمة، مروراً بمختلف مراحل الصراع مع القوى الاستعمارية والتدخلات الأجنبية، وصولاً إلى الحرب الراهنة.

فالقبيلة اليمنية لم تكن يوماً مجرد بنية اجتماعية تقليدية، بل ظلت حاضراً مؤثراً في معادلات الدفاع عن الأرض والسيادة والاستقلال، وهو ما يجعل إخضاعها أو تفكيك وحدتها هدفاً استراتيجياً للقوى الساعية إلى إعادة تشكيل المشهد اليمني.

وتبرز أهمية استهداف هذا المكون في ضوء الدور الذي أدته القبائل اليمنية خلال أكثر من أحد عشر عاماً من الحرب، إذ شكلت رافداً رئيسياً للجبهات، وأسهمت في التعبئة والتحشيد وتنظيم المواقف الشعبية والقبلية، إلى جانب دورها في مواجهة محاولات تفكيك المجتمع واستقطابه.

كما مثلت وحدة الصف القبلي والتفاف قطاعات واسعة من أبناء القبائل حول القيادة الثورية والسياسية أحد العوامل التي أفشلت رهانات التحالفات الخارجية على تفكيك الجبهة الداخلية وإخضاع اليمن.

وفي هذا السياق، يأتي التحرك الدولي بالتزامن مع تصعيد سعودي ضد التحشيدات والتجمعات القبلية اليمنية، عقب بيان عسكري سعودي تضمن تهديدات باستهداف تلك التجمعات، قبل أن تتراجع الرياض وتحذف البيان وتنكر التهديد إثر الرد الحاسم الذي أصدرته القوات المسلحة اليمنية على لسان متحدثها العميد يحيى سريع.

وأكد سريع أن أي اعتداء على أبناء القبائل اليمنية لن يمر دون رد، محذراً السعودية من مغبة ارتكاب أي حماقة بحقهم، ومشيراً إلى أن استهداف القبائل سيترتب عليه رد عسكري واسع وعواقب كارثية وغير متوقعة، مع اللجوء إلى خيارات استراتيجية كبرى لم تكن القوات المسلحة تريد الوصول إليها.

ويكشف التزامن بين مشروع إعادة صياغة المرجعية القبلية والتحركات العسكرية السعودية ضد التجمعات القبلية عن تكامل واضح بين مسارات الضغط العسكري والاختراق الاجتماعي، إذ تتجه الأولى إلى إخضاع القبيلة عبر التهديد والاستهداف، فيما تعمل الثانية على احتوائها وتفريغ دورها الوطني عبر مؤتمرات ومواثيق تصاغ في الخارج، وتُمرر بأسماء شخصيات لا تمتلك تفويضاً شعبياً أو قبلياً جامعاً.

تحليل:

إن استهداف القبيلة اليمنية ليس تفصيلاً هامشياً في سياق الحرب على اليمن، بل يمثل انتقالاً بالصراع إلى عمق البنية الاجتماعية التي شكلت على مدى قرون أحد أهم مراكز القوة والمناعة الوطنية.

فحين تعجز القوى الخارجية عن كسر إرادة المجتمع عسكرياً، تتجه إلى تفكيك مصادر قوته من الداخل، وتبدأ بمحاولة إعادة تشكيل وعيه ومرجعياته ومؤسساته الاجتماعية.

ومن هنا يمكن قراءة مشروع “ميثاق الشرف القبلي” باعتباره جزءاً من معركة على هوية القبيلة ووظيفة وجودها، وليس مجرد مبادرة لإصلاح الأعراف أو تعزيز السلم الاجتماعي. فالقبيلة التي تتحكم في مرجعيتها قوى خارجية تفقد تدريجياً استقلال قرارها، وتتحول من قوة تحمي المجتمع إلى بنية يجري توظيفها لخدمة ترتيبات الآخرين.

واللافت أن السعودية، التي تلوّح باستهداف التجمعات القبلية عسكرياً، تتحرك بالتوازي مع مؤسسات دولية لإعادة صياغة الدور القبلي سياسياً واجتماعياً؛ أي الجمع بين سياسة العصا العسكرية وأدوات الاحتواء الناعم.

وهذه المعادلة تكشف أن المعركة الحقيقية لا تستهدف السلاح وحده، بل تستهدف الإرادة التي تقف خلفه، والمرجعية الاجتماعية التي تحشد الرجال وتحمي الأرض وتمنح المجتمع قدرته على الصمود.

لكن القبيلة اليمنية التي صاغت أعرافها عبر قرون من التجربة والتضحيات لا يمكن اختزالها في مؤتمر بجنيف، ولا مصادرة قرارها بميثاق تموله جهات خارجية. فالأعراف التي حفظت كرامة القبيلة واستقلالها لا تُستبدل بوثائق تُكتب في الخارج، والولاء للأرض والإنسان لا تحدده مؤتمرات المانحين، بل تحدده مواقف الرجال عند الاختبار.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com