صفقة أمريكية سرّية لتمويل إنتاج ذخائر عنقودية إسرائيلية بقيمة 210 ملايين دولار تثير جدلاً قانونياً وأخلاقياً واسعاً..!
أبين اليوم – خاص
كشفت بيانات اتحادية اطّلع عليها موقع «ذا إنترسبت» عن إبرام وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) صفقة تسليح بقيمة 210 ملايين دولار مع شركة «تومر» الإسرائيلية المملوكة للدولة، في خطوة أحيطت بدرجة عالية من الكتمان.
ولا تندرج الصفقة ضمن الإطار التقليدي لتصدير السلاح الأمريكي، بل تهدف إلى تمويل خطوط إنتاج داخل إسرائيل لتصنيع قذائف عيار 155 ملم من طراز XM1208 على مدى ثلاث سنوات. وتُعد هذه الصفقة الأكبر من نوعها مع شركة إسرائيلية حكومية منذ نحو عقدين.
وبحسب التقرير، جرى تمرير العقد تحت بند «المصلحة العامة» لتجاوز إجراءات المناقصات العلنية، بما يسمح بتسريع التعاقد بعيداً عن آليات الرقابة والشفافية المعتادة.
وأشار «ذا إنترسبت» إلى أن الإدارة الأمريكية تسوّق قذائف XM1208 باعتبارها بديلاً «أكثر أماناً» من الذخائر القديمة التي خلّفت آثاراً كارثية في فيتنام والعراق، وتؤكد تقارير عسكرية أن نسبة الخطأ فيها لا تتجاوز 1%.
غير أن خبراء في مجال الأسلحة يرون أن هذه النسب تبقى «مخبرية» فقط، إذ تتحول هذه القذائف في ظروف الاستخدام الفعلي، مثل سوء التخزين أو رطوبة التربة، إلى ذخائر غير منفجرة تشكّل خطراً طويل الأمد على المدنيين، ولا سيما الأطفال.
كما شدد محققو الأسلحة في منظمة العفو الدولية على أن السلاح العنقودي يُعد «عشوائياً بطبيعته»، ولا يمكن استخدامه بصورة مسؤولة مهما تطورت تقنياته.
وتُظهر الإحصاءات أن الأسلحة العنقودية تسببت في مقتل وإصابة أكثر من 24,800 مدني منذ ستينيات القرن الماضي، فيما سُجّلت خلال عام 2024 وحده مئات الضحايا الجدد. وفي الوقت الذي تتجه فيه دول عديدة إلى التخلي عن هذه الذخائر، أعادت شركة «تومر» الحكومية تشغيل خط إنتاجها بعد أن كانت شركات خاصة قد أوقفته نتيجة المقاطعة الدولية.
وذكر التقرير أن الجيش الأمريكي رفض الكشف عن تفاصيل العقد استناداً إلى قانون حرية المعلومات، وهو ما أثار تساؤلات قانونية حول مشروعية إجراءات التعاقد.
وأشار أيضاً إلى أن نحو نصف أرباح الصفقة سيذهب مباشرة إلى خزينة الحكومة الإسرائيلية، بما يعني تمويلاً أمريكياً مباشراً للصناعات العسكرية الإسرائيلية في ظل اتهامات دولية متواصلة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
تحليل:
تعكس صفقة XM1208 تحوّلاً لافتاً في نمط الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، من مجرد تزويد بالسلاح إلى تمويل مباشر لخطوط الإنتاج داخل إسرائيل، بما يرسّخ شراكة صناعية عسكرية طويلة الأمد تتجاوز الطابع التكتيكي للصفقات التقليدية.
والأهم أن تمرير العقد تحت ذريعة «المصلحة العامة» يشي برغبة سياسية واضحة في تحييد أدوات الرقابة والجدل الداخلي في الولايات المتحدة، في ملف بات شديد الحساسية دولياً. كما أن إعادة إحياء إنتاج الذخائر العنقودية، رغم الإجماع الحقوقي الواسع على خطورتها البنيوية وعدم قابلية استخدامها بشكل مسؤول، تكشف فجوة متنامية بين الخطاب الأمريكي المعلن حول حماية المدنيين وتقليص الأضرار الجانبية، وبين السياسات العملية التي تعيد دمج هذا النوع من السلاح في منظومات التسلح الحديثة.
وفي هذا السياق، لا تبدو الصفقة مجرد تحديث للمخزون العسكري، بل خطوة استراتيجية تمنح غطاءً سياسياً واقتصادياً لإعادة شرعنة سلاح محظور أخلاقياً في الوعي الدولي، وتعمّق ارتباط واشنطن المباشر بتداعيات استخدامه في ساحات الصراع المقبلة.