“تقرير خاص“| سياسة “الإنهاك والاستقطاب” في جنوب اليمن.. قراءة في تحولات النفوذ والسيادة..!

7٬673

أبين اليوم – خاص 

منذ انطلاق العمليات العسكرية للتحالف بقيادة السعودية والإمارات في اليمن عام 2015، لم تكن خارطة النفوذ في المحافظات الجنوبية مجرد مساحة جغرافية محررة، بل تحولت إلى مختبر لسياسات “إدارة الأزمات”. فعلى مدار قرابة عقد من الزمن، لم تكن حالة الاضطراب المستمر في الجوانب الاقتصادية والخدمية والسياسية مجرد “عرض جانبي” للحرب، بل يقرأها محللون كأداة ضغط ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي والولاءات السياسية.

أولاً: سلاح الخدمات وتكتيك “الضغط غير المباشر”:

شهدت المحافظات الخاضعة لسيطرة التحالف والقوى الموالية له تدهوراً دراماتيكياً تجاوز حدود المنطق العسكري، وتمثل ذلك في:

  • الانهيار النقدي الممنهج: تآكل القيمة الشرائية للعملة المحلية أمام العملات الأجنبية.
    أزمة الرواتب: اتخاذ الملف المعيشي وسيلة للمساومة السياسية.
    شلل المؤسسات: إضعاف أداء مؤسسات الدولة لصالح كيانات موازية.

التحليل: تشير المعطيات إلى أن هذا “التجويع الخدمي” يهدف إلى الوصول بالمجتمع إلى حالة من الإنهاك التام، حيث يصبح سقف المطالب الشعبية هو “البقاء” بدلاً من “السيادة”، مما يسهل تمرير أي تسويات سياسية مستقبلية مقابل تحسينات معيشية طفيفة.

ثانياً: “مقايضة السيادة بالاستقرار”.. منعطف العليمي:

يعد الإعلان الأخير لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، بشأن نقل الصلاحيات السيادية وتسليم الملف العسكري للسعودية، نقطة تحول جوهرية. هذا الإجراء يثير تساؤلات قانونية ودستورية عميقة:

  • المشروعية الدستورية: يرى قانونيون أن تفويض الصلاحيات السيادية لجهة خارجية يمثل خرقاً صريحاً للدستور اليمني.
    الواقع الجديد: هذا الإعلان يشرعن الدور السعودي المباشر، متجاوزاً فكرة “الدعم” إلى “الإدارة المباشرة”.

ثالثاً: التحسن الانتقائي.. أداة لترسيخ النفوذ ومنافسة الحلفاء:

تزامن التحرك السعودي الأخير لتحسين الخدمات وصرف المرتبات عقب “إعلان السيادة” لم يكن محض صدفة، بل يندرج ضمن أهداف محددة:

  • تلميع الصورة الذهنية: محاولة الرياض تقديم نفسها كـ “منقذ” بعد سنوات من تحميلها مسؤولية التدهور بصفتها قائدة التحالف.
    تحجيم المنافسين: سعي السعودية لإزاحة النفوذ الإماراتي المتجذر في الجنوب، وإعادة الانفراد بالقرار في المناطق الاستراتيجية.
    تثبيت التبعية: ربط استقرار حياة المواطن بمدى الرضا السعودي، مما يجعل “الاستقرار” منحة وليس حقاً وطنياً.

رابعاً: البعد الدولي.. محاكاة النموذج “النيولبرالي” في إدارة الصراعات:

يرى مراقبون أن ما يحدث في جنوب اليمن ليس معزولاً عن الأنماط الدولية لإدارة الصراعات، حيث تتقاطع هذه السياسة مع النهج الأمريكي في استخدام:
– “الفوضى المحكومة والضغوط الاقتصادية لكسر إرادة الدول التي تتبنى مواقف معارضة، وذلك لفرض واقع سياسي جديد يخدم المصالح الإمبراطورية تحت غطاء المساعدات الإنسانية والحلول الاقتصادية.”

الخلاصة:

إن الانتقال من مرحلة “صناعة الأزمة” إلى مرحلة “الانفراج الجزئي المشروط” يعكس رغبة في هندسة واقع يمني جديد، تكون فيه السيادة الوطنية مقابل لقمة العيش. ومع ذلك، تبقى هذه المقاربة محفوفة بالمخاطر، إذ إن الرهان على إنهاك الشعوب قد يؤدي إلى انفجارات اجتماعية غير محكومة تتجاوز حدود الحسابات السياسية للتحالف.

وعليه يمكن القول:

إن ما يشهده الجنوب اليمني اليوم ليس مجرد “تعثر إداري” أو “أزمة عابرة”، بل هو عملية تجريف ممنهج لما تبقى من هيكل الدولة اليمنية.

إن سياسة “تسييل السيادة” التي يمارسها مجلس القيادة الرئاسي عبر تحويل صلاحياته الدستورية إلى صكوك ملكية تدار من الرياض، لا تمثل سقوطاً قانونياً فحسب، بل هي خيانة صريحة للعقد الاجتماعي الذي يفترض أن الدولة هي حامي الحياض، لا سمسار الأزمات.

إن محاولة السعودية مقايضة “الاستقرار الخدمي الهش” بـ “الاستلاب العسكري المطلق” هي مقامرة مكشوفة؛ تراهن على انكسار كرامة الإنسان تحت وطأة الجوع لتمرير أجندات التوسع والسيطرة.

بيد أن التاريخ يثبت أن السيادة التي تُباع مقابل الرواتب هي سيادة زائفة، وأن الاستقرار الذي يُبنى على أنقاض الهوية الوطنية ليس إلا “هدوءاً يسبق العاصفة”. إن اليمن، بوعيه الشعبي المتراكم، لن يقبل طويلاً بأن تتحول محافظاته إلى “محميات” تدار بريموت كنترول خارجي، وما يبدو اليوم “إنجازاً” في ملف الخدمات، قد يكون غداً الوقود الذي سيحرق كراسي السلطة المفرطة في ارتهانها.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com