“تقرير خاص“| إعدام سياسي في “المخا“.. السعودية تنهي أسطورة طارق صالح وتستعيد مفاتيح البحر الأحمر..!

7٬994

أبين اليوم – خاص 

لم يعد خافياً أن “شهر العسل” السعودي الإماراتي في الساحل الغربي لليمن قد انتهى إلى طلاق بائن، بطلُه هذه المرة هو العميد طارق صالح، الذي يجد نفسه اليوم أمام مشهد “تقليم أظافر” هو الأقسى منذ ظهوره في المخا.

إن التحركات السعودية الأخيرة ليست مجرد إعادة تموضع عسكري، بل هي عملية “تطهير جيوسياسي” تهدف إلى استئصال النفوذ الإماراتي من مضيق باب المندب، واستبداله بـ “درع الوطن” كوكيل حصري ووحيد للرياض على طول الممر الملاحي الدولي.

​بينما كان طارق صالح يعتقد أن “ميناء المخا” هو قلعته الحصينة وورقته الرابحة في أي تسوية دولية، جاء القرار السعودي ليعلن انتهاء صلاحية هذه الورقة؛ عبر خطة “الاحتواء العنيف” التي تسحب البساط من تحت أقدامه لصالح قوة “تهامية” جديدة تُصنع في مطابخ الرياض، وتدفع بقواته بعيداً عن البحر نحو “محارق الجبهات” الجبلية في البيضاء وذمار.

​نحن أمام مشهد “حرق كروت” علني؛ حيث تقرر السعودية إنهاء وضع “القوات الهجينة” التي تتلقى أوامرها من أبوظبي، لتبدأ مرحلة “الهندسة السعودية الخالصة” للساحل، مستغلةً تصدعات الداخل التهامي للانقضاض على إرث “آل صالح” العسكري، وتحويلهم من شركاء في القرار إلى مجرد “وحدات ملحقة” فاقدة للثقل الجغرافي والسياسي.

هذا وتتسارع الخطوات السعودية لإعادة هندسة موازين القوى في المناطق الواقعة تحت سيطرة الشرعية في اليمن، حيث تكشف مصادر صحفية عن ترتيبات عسكرية واسعة النطاق تهدف إلى إزاحة الفصائل الموالية للإمارات من الشريط الساحلي الاستراتيجي الممتد من جنوب البحر الأحمر وصولاً إلى خليج عدن.

الخطة التي تقودها السعودية تضع قوات “درع الوطن”- الموالية لها- كبديل وحيد ومباشر على امتداد ممر الملاحة الدولية، في خطوة وصفت بأنها “حرق كرت” نهائي لطارق صالح وإنهاء لنفوذه في أهم الممرات المائية العالمية.

وتفيد المعلومات المسربة من دوائر القرار العسكري بأن السعودية قررت رسمياً إنهاء سيطرة قوات طارق صالح على ميناء المخا والمناطق المحيطة به، وهي المنطقة التي ظلت لسنوات تحت هيمنة طارق صالح وقواته تحت إشراف مباشر من الإمارات.

وتؤكد المصادر أن زيارة طارق صالح الأخيرة للمخا، والتي لم تستمر سوى ساعات معدودة، لم تكن تفقدية، بل كانت لترتيب إجراءات لوجستية لتسليم مواقع حيوية وقواعد عسكرية كانت تدار بإشراف إماراتي مباشر للعميد فلاح الشهراني، الذي يوصف بأنه الحاكم العسكري السعودي في مناطق سيطرة الشرعية، تمهيداً لدخول وحدات ضاربة من قوات “درع الوطن” عقب إجازة عيد الفطر المبارك.

وتقضي الترتيبات الجديدة- وفقا للمصادر- بنقل الجزء الأكبر من تشكيلات طارق صالح إلى الجبهات المحاذية لمحافظتي البيضاء وذمار، بما في ذلك المناطق الحدودية مع وادي زبيد ومريس، مشيرة إلى التوجه لدمج هذه القوات قسرياً تحت قيادة هيئة الأركان العامة التابعة لحكومة مجلس القيادة الرئاسي، لإنهاء وضعها السابق كقوة “هجينة” تعمل خارج إطار المؤسسة العسكرية التقليدية وبولاء مباشر لأبوظبي.

هذا التحول يعني عملياً تجريد طارق صالح من “ورقة الساحل” التي كانت تمنحه ثقلاً سياسياً وتفاوضياً دولياً.

وتحمل الخطة السعودية في طياتها بعداً “محلياً” يهدف إلى إنشاء قوة مناطقية تابعة لها في تهامة، عبر إعادة تشكيل “المقاومة التهامية” ضمن فرقة كاملة تابعة لدرع الوطن، يكون مسرح عملياتها في تهامة بدءاً من الخوخة وحيس.

وتأتي هذه الخطوة كمحاولة لاستغلال الشرخ العميق الذي أحدثه طارق صالح خلال السنوات الماضية، حين عمد إلى تذويب الفصائل التهامية وإجبارها على الاندماج تحت قيادته، حيث كانت تقارير وشهادات حية قد أشارت إلى استخدم طارق سلاح “قطع الرواتب” والتنكيل والسجون ضد الضباط التهاميين الرافضين للتبعية، وصل بعضها إلى حد المواجهات المسلحة والاغتيالات لإنهاء أي صوت يطالب بحق أبناء الأرض في إدارة أرضهم.

وبحسب قراءة أعمق للمشهد، فإن السعودية تهدف من خلال تشكيل هذه الفرقة من أبناء تهامة وتسليمها جزءاً من المنطقة الساحلية، إلى إيجاد قوة محلية تعزز الانقسامات المناطقية في المحافظات الخاضعة لسيطرة مجلس القيادة الرئاسي، وبذلك تضمن الرياض بقاءها كطرف وحيد ممسك بخيوط “اللعبة المناطقية”؛ فهي تعزف على وتر المظلوميات في المحافظات الشرقية (حضرموت والمهرة)، وتؤجج الصراعات البينية في المحافظات الجنوبية، وصولاً إلى استنساخ التجربة ذاتها في المناطق التهامية بالساحل الغربي وباب المندب، ومن شأن هذا “التفتيت الممنهج”- بحسب محللين- أن يضمن تبعية جميع هذه المكونات المتصارعة لمركز القرار في الرياض، ويمنع نشوء أي كتلة وطنية موحدة قد تشكل عائقاً أمام الطموحات السعودية.

تأتي هذه التحركات كجزء من استراتيجية سعودية أوسع بدأت منذ مطلع العام الجاري، حيث وجهت الرياض ضربات متتالية للمشاريع المحلية الموالية لأبوظبي، فبعد تحجيم نفوذ “المجلس الانتقالي الجنوبي” في شبوة وحضرموت، تنتقل المعركة الآن إلى الساحل الغربي لنزع آخر أوراق القوة من يد حلفاء الإمارات، سواء طارق صالح في المخا أو قوات العمالقة التي أُجبرت على إعادة تموضعها من “ذو باب” وباب المندب باتجاه حريب وشبوة ولحج.

ويرى محللون أن هذه “الهندسة الجديدة” تهدف السعودية من خلالها إلى السيطرة المباشرة على مضيق باب المندب، عبر تفكيك الكيانات العسكرية الموالية للإمارات وصناعة كيانات مناطقية موالية لها، وهو ما يمنح الرياض السلطة المطلقة في إدارة المشهد وتوجيه البوصلة العسكرية والسياسية وفق مصالحها.

وعليه يمكن القول:

تكشف هذه التحركات عن تحول نوعي في طبيعة الصراع داخل المعسكر المناهض للحوثيين، إذ لم يعد الأمر مجرد إعادة انتشار عسكري، بل عملية إعادة هندسة كاملة لخريطة النفوذ في اليمن.

فالسعودية، التي ظلت لسنوات تدير التوازن بين حلفائها المحليين والإقليميين، تبدو اليوم بصدد تفكيك البنية العسكرية التي شيدتها الإمارات على امتداد الساحل الغربي، وإعادة تركيبها وفق منظومة ولاء جديدة مرتبطة مباشرة بالرياض.

إن سحب ورقة الساحل من يد طارق صالح لا يعني فقط تقليص نفوذ قائد عسكري، بل يعني عملياً إعادة السيطرة على أحد أهم المفاتيح الجيوسياسية في المنطقة: الشريط المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وهذا الممر لا يمثل مجرد جبهة عسكرية، بل عقدة استراتيجية تتحكم بجزء مهم من حركة التجارة والطاقة العالمية، ما يجعل السيطرة عليه مسألة تتجاوز الحسابات اليمنية الداخلية إلى حسابات إقليمية ودولية أوسع.

وفي العمق، تعكس هذه الخطوة أيضاً احتدام المنافسة غير المعلنة بين السعودية والإمارات داخل اليمن. فبعد سنوات من العمل المشترك، بدأت الرياض تتجه إلى تقليص نفوذ أبوظبي عبر تفكيك التشكيلات العسكرية المرتبطة بها واستبدالها بقوى مناطقية تدين بالولاء المباشر لها. غير أن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ إن إعادة إنتاج كيانات عسكرية مناطقية متنافسة قد تعمّق حالة التفكك داخل المناطق الخاضعة لمجلس القيادة الرئاسي، وتحوّلها إلى فسيفساء من القوى المحلية المتصارعة.

وبذلك، فإن ما يجري في الساحل الغربي لا يبدو مجرد إعادة انتشار عسكري، بل جزء من معركة أوسع على شكل السلطة والنفوذ في اليمن ما بعد الحرب.

فالسعودية تسعى إلى الإمساك بخيوط اللعبة كاملة، ليس فقط عبر التحكم بالجغرافيا الاستراتيجية، بل أيضاً عبر إدارة الانقسامات المحلية بطريقة تضمن بقاء جميع الأطراف بحاجة إلى مظلتها السياسية والعسكرية. وفي حال استمر هذا المسار، فقد يتحول اليمن إلى ساحة إعادة توزيع نفوذ إقليمي أكثر منه ساحة تسوية وطنية، وهو ما قد يطيل أمد الصراع ويجعل أي مشروع لبناء دولة موحدة أكثر تعقيداً.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com