“عدن“| سياسة سعودية مزدوجة في جنوب اليمن: حرية انفصالية غرباً وتشديد أمني شرقاً..!
أبين اليوم – خاص
منحت السعودية مساحة واسعة من الحرية للقيادات الجنوبية، العسكرية والسياسية والمدنية، التي تتبنى مشروع الانفصال، بما في ذلك الجهات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، حيث بات التعبير عن هذا التوجه يتم بشكل علني ورسمي.
وفي هذا السياق، رُفع علم الانفصال على مبنى السلطة المحلية في عدن خلال افتتاح المحافظ عبدالرحمن شيخ للمبنى الجديد، بالتزامن مع عقد اجتماعات رسمية لقوات “الأمن الوطني” (الحزام الأمني سابقاً) تحت العلم ذاته.
كما عقدت قيادات القوات البرية الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي اجتماعات في عدن أعلنت خلالها رفضها لقرارات دمج القوات، في حين استأنف المجلس الانتقالي نشاطه السياسي عبر اجتماعات في مقراته التي استعادها مؤخراً.
في المقابل، تقتصر هذه المساحة من الحرية على مناطق محددة في غرب جنوب اليمن، تشمل عدن والضالع ولحج وأجزاء من أبين، بينما تتعامل السعودية بصرامة مع أي تحركات مشابهة في حضرموت وشرق البلاد. وقد بدأت الرياض فعلياً تنفيذ خطط لدمج قوات النخبة الحضرمية ضمن الأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية.
وأعلنت السلطات المحلية في حضرموت، الموالية للسعودية، تدشين عملية دمج هذه القوات في مناطق وادي وصحراء حضرموت، تحت العلم اليمني، في خطوة تُستخدم لإضفاء طابع شرعي على تحركات تصب في اتجاه تعزيز مشروع إقليم حضرموت.
وتشير مصادر سياسية إلى أن الاستراتيجية السعودية تهدف إلى تكريس الانقسام بين شرق وغرب الجنوب، عبر إنشاء كيانات عسكرية وأمنية وسياسية منفصلة. كما تسعى الرياض إلى انتزاع اعتراف بإقليم حضرموت ضمن أي حوار جنوبي-جنوبي، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام مشاريع الانفصال التي لا تتعارض مع توجهات الحكم الذاتي في حضرموت.
وأكدت المصادر أن السعودية لن تسمح بعودة القوى الداعية إلى جنوب موحد إلى حضرموت، حيث بدأت بالفعل في بناء منظومة عسكرية وأمنية قادرة مستقبلاً على مواجهة نفوذ القوى الانفصالية في المناطق الغربية.
تحليل:
تعكس هذه المعطيات تبنّي السعودية لسياسة “الإدارة المتباينة” في جنوب اليمن، حيث يتم التعامل مع الملف الجنوبي وفق مقاربات جغرافية-سياسية مختلفة. ففي الغرب، يُسمح بتصاعد الخطاب والانخراط الانفصالي كأداة ضغط وتوازن مع قوى محلية وإقليمية أخرى، بينما في الشرق، خصوصاً حضرموت، تسعى الرياض إلى بناء كيان أكثر انضباطاً وارتباطاً بها مباشرة، نظراً للأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للمنطقة.
هذا التباين يكشف عن توجه نحو إعادة تشكيل الخارطة السياسية والأمنية للجنوب على أساس أقاليم منفصلة، بدلاً من كيان موحد، بما يضمن تعددية مراكز النفوذ ويمنع تشكّل قوة جنوبية موحدة قد تخرج عن السيطرة. كما أن التركيز على حضرموت يعكس إدراكاً لأهميتها الجيوسياسية، سواء من حيث الموارد أو الموقع، ما يدفع السعودية إلى تحصينها ضمن منظومة نفوذ مستقلة نسبياً عن بقية الجنوب.
في المحصلة، هذه السياسة قد تؤدي على المدى المتوسط إلى تعميق الانقسامات الداخلية في الجنوب، وتحويلها من خلافات سياسية إلى واقع مؤسسي وعسكري قائم، ما يجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيداً، ويُبقي الجنوب ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي.