دبلوماسية تحت النار.. ازدواجية الحرب والتفاوض قراءة في “المفاوضات” الإيرانية الأمريكية..!

6٬002

أبين اليوم – خاص 

تعكس الأنباء المتداولة عن استعداد إيران والولايات المتحدة للدخول في مسار تفاوضي جديد، بالتوازي مع استمرار التوترات الميدانية، انتقال الطرفين إلى ما يُعرف بـ«المفاوضات في ساحة المعركة»، وهي صيغة تفاوضية تختلف جذرياً عن أنماط الدبلوماسية التقليدية.

وبحسب السفير الإيراني السابق لدى فنلندا، سيد رسول موسوي، فإن هذا النمط من التفاوض لا يمثل مؤشراً على ضعف أي من الطرفين، بل يعكس مستوى متقدماً من الواقعية السياسية في إدارة الصراع. ويستند موسوي في توصيفه إلى مفارقة لافتة، تتمثل في الحديث عن لقاء مرتقب بين عباس عراقجي وبرايان ويتاكر في سلطنة عُمان، في الوقت الذي أعلنت فيه واشنطن استهداف طائرة مسيّرة إيرانية من طراز «شاهد» فوق بحر عُمان.

ويؤكد موسوي أن التعامل مع المشهد الراهن بوصفه حالة حرب فعلية يفرض على المفاوضين إدراك أنهم يديرون عملية شديدة التعقيد، تتسم بخطر مباشر على الأرواح، وضيق الوقت، وغياب الثقة بين الأطراف، بما يجعل أي قرار غير محسوب قابلاً لإحداث نتائج فورية يصعب تداركها.

وفي هذا السياق، يشدد على ضرورة الالتزام بخمسة مبادئ أساسية لإدارة هذا النوع من المفاوضات، في مقدمتها الحفاظ على هدوء الذهن وتجنب الانجرار وراء القرارات الانفعالية، إلى جانب امتلاك قراءة دقيقة لتوازن القوى الميداني، مدعومة بمعطيات استخباراتية موثوقة.

كما يبرز أهمية تحديد أهداف واضحة ومتدرجة، مع الالتزام بخطوط حمراء غير قابلة للتفاوض، واستخدام لغة دبلوماسية بسيطة وفعالة تتيح إدارة توقعات الطرف المقابل وفهم رسائله غير المباشرة.

ويضاف إلى ذلك ضرورة التمتع بمرونة تكتيكية تسمح بتقديم تنازلات محدودة لا تمس المبادئ السيادية أو المصالح الحيوية للدولة، بما يجعل «الدبلوماسية الميدانية» أداة مركزية لتحقيق اختراقات ممكنة في بيئة شديدة الاضطراب.

وعند مقارنة المشهد الراهن بمفاوضات القرار الأممي رقم 598 التي أنهت الحرب العراقية – الإيرانية، يرى موسوي أن الوضع الحالي أكثر تعقيداً، في ظل تراجع فاعلية الأمم المتحدة وتجاهل الولايات المتحدة للمرجعيات الدولية الإلزامية.

ومع ذلك، يؤكد أن التفاوض تحت ضغط السلاح يعكس فهماً عميقاً لسيكولوجية الصراع، ويهدف في جوهره إلى الحد من المعاناة الإنسانية والبحث عن مخرج مؤقت من دوامة العنف، مشدداً على أن الإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة حتى في ذروة المواجهة يبقى الوسيلة الأهم لإدارة الأزمات والحد من اتساع نطاق الدمار.

تحليل:

تكشف مقاربة موسوي لمفهوم «المفاوضات في ساحة المعركة» عن تحول جوهري في كيفية إدارة الصراع بين إيران والولايات المتحدة، من منطق التسويات المؤسسية إلى منطق إدارة المخاطر المباشرة تحت الضغط العسكري.

فالتوازي بين العمليات الميدانية والتحركات الدبلوماسية لا يعكس ازدواجية في السلوك بقدر ما يعكس استخدام التفاوض كأداة لضبط إيقاع الصراع ومنع انفلاته نحو مواجهة شاملة.

غير أن تراجع دور الأطر الدولية، واحتكار واشنطن لمسار الضغط العسكري والسياسي، يحدّ من فرص إنتاج تسوية مستقرة، ويجعل أي اختراق محتمل أقرب إلى ترتيبات مؤقتة لإدارة الأزمة لا إلى حلول نهائية لها.

وعليه، فإن نجاح هذا المسار سيبقى مرهوناً بقدرة الطرفين على المواءمة بين الردع الميداني وضبط الرسائل السياسية، دون الانزلاق إلى حسابات خاطئة قد تحوّل التفاوض نفسه إلى أحد ميادين التصعيد.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com