الباحث المصري سامح عسكر: هل دمرت إيران القواعد الأمريكية في المنطقة..!

7٬576

أبين اليوم – وكالات

تحدث الباحث المصري سامح عسكر عن تأثير استهداف القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط على موازين المواجهة العسكرية، مشيراً إلى أن إيران أعلنت تدمير أغلب هذه القواعد وأنها تواصل استهداف ما تبقى منها.

وقال عسكر في منشور تحليلي إن القواعد الأمريكية في المنطقة لا تمثل مجرد منصات هجومية، بل تشكل شبكة دفاعية متكاملة تضم رادارات وأنظمة تجسس وتشويش وحرب إلكترونية ومنظومات معلومات متقدمة.

ووفقاً له، كانت هذه الشبكة تلعب دوراً محورياً في حماية كيان الاحتلال من الصواريخ الإيرانية خلال السنوات الماضية.

وأوضح أن آلية العمل كانت تقوم على رصد إطلاق الصاروخ فور خروجه من إيران، حيث تقوم الرادارات في تلك القواعد بإرسال إشارات وبيانات فورية إلى كيان الاحتلال تتضمن مسار الصاروخ واتجاهه وإحداثيات السقوط المحتملة.

وبناءً على تلك المعلومات كانت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية تطلق صواريخ الاعتراض اعتماداً على بيانات الرادار، وهو ما كان يؤدي – بحسب قوله – إلى إسقاط معظم الصواريخ الإيرانية في السابق.

وأشار عسكر إلى أنه منذ بدء استهداف هذه القواعد والرادارات، لوحظ تراجع في قدرة الدفاع الجوي الإسرائيلي على صد الهجمات الصاروخية الإيرانية مقارنة بما حدث في الأيام الثلاثة الأولى من المواجهة.

وتطرق الباحث إلى ما وصفه بالقدرات الصاروخية الإيرانية، موضحاً أن إيران تمتلك ثلاثة أجيال من الصواريخ تختلف في القوة والتقنية.

الجيل الأول يضم مجموعات صواريخ مثل شهاب وقيام وفاتح وزلزال، واعتبرها عسكر الأضعف نسبياً من حيث المدى والرأس الحربي والسرعة والتقنية، الأمر الذي يجعل اعتراضها أسهل بالنسبة لإسرائيل.

وذكر أن إيران غالباً لم تستخدم هذه الصواريخ ضد كيان الاحتلال، بل استهدفت بها القواعد الأمريكية في الخليج نظراً لقرب المسافة.

كما أشار إلى أن إيران تمتلك أعداداً كبيرة جداً من هذه الصواريخ، تقدر بعشرات الآلاف، وأن استخدامها يحقق هدفين في رأيه: التخلص من مخزون قديم واستنزاف أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية والعربية.

وأضاف أنه حتى في حال وصول 25% من هذه الصواريخ إلى أهدافها فإنها قادرة على إحداث دمار كبير في القواعد العسكرية، وهو ما قال إنه حدث بالفعل.

أما الجيل الثاني فيشمل صواريخ مثل خيبر شيكن وقدر وعماد، وهي صواريخ أكثر تطوراً من الجيل الأول، إذ تصل سرعتها إلى نحو 10 ماخ ويتراوح وزن رؤوسها الحربية بين نصف طن و750 كيلوغراماً.

وذكر أن إيران استخدمت هذه الصواريخ سابقاً ضد كيان الاحتلال، إلا أن وجود الرادارات الأمريكية في الخليج كان يسمح برصدها مبكراً والتقليل من تأثيرها من خلال إنذار مبكر قد يصل إلى نحو 15 دقيقة قبل وصولها.

وقال عسكر إن زمن الإنذار المبكر انخفض حالياً إلى أقل من دقيقة في بعض الحالات، بل قد ينعدم أحياناً، معتبراً أن ذلك مؤشر على أن تدمير القواعد الأمريكية في الخليج أثر بالفعل على قدرة كيان الاحتلال في التصدي لهذه الصواريخ.

وأضاف أن مخزون إيران من هذا الجيل يبدو كبيراً، في ظل الضربات اليومية التي تصل إلى عشرات الصواريخ وتسبب دماراً واسعاً، مشيراً إلى أن الحرس الثوري يستهدف كيان الاحتلال حالياً بهذه المجموعة، خصوصاً أن بعضها يمتلك قدرات انشطارية أو قصفاً عنقودياً.

أما الجيل الثالث، فيضم صواريخ مثل خرمشهر 4 وسجيل وفتاح وحاج قاسم، والتي وصفها بأنها الأقوى ضمن الترسانة الصاروخية الإيرانية. وأوضح أن سرعتها فرط صوتية وقد تصل إلى نحو 15 ماخ، مع رؤوس حربية قد تصل إلى 1500 كيلوغرام، إضافة إلى قدرات عالية على المناورة والدقة، ما يجعلها – بحسب تعبيره – سلاح ردع استراتيجي.

وأشار إلى أن إيران لم تستخدم من هذا الجيل سوى صاروخ أو صاروخين حتى الآن، وأن معظم ضرباتها ضد كيان الاحتلال تتم باستخدام صواريخ الجيل الثاني، بينما استُخدم الجيل الأول بشكل أكبر ضد القواعد في الخليج.

وفي جانب آخر من تحليله، أشار عسكر إلى تقارير إعلامية تحدثت عن طلب الولايات المتحدة من دول آسيوية استضافة قطع بحرية وأسلحة أمريكية في موانئها، معتبراً أن ذلك قد يعكس ضعف الوجود البحري الأمريكي في الخليج حالياً، وهو ما قد يعزز – بحسب رأيه – فرضية تدمير القواعد أو إخراجها من الخدمة.

كما رأى أن لجوء الولايات المتحدة وإسرائيل إلى قصف البنية التحتية الإيرانية قد يكون دليلاً على فشل استخباراتي أو ما وصفه بـ“العمى الاستخباراتي”.

وأوضح أن الاستراتيجية العسكرية في السابق كانت تعتمد على دقة الضربات والعمليات النوعية مثل الاغتيالات لتحقيق تأثير معنوي، بدلاً من التدمير الواسع.

وأضاف أن التحول نحو استهداف البنية التحتية قد يعكس صعوبة تحقيق نصر عسكري سريع، أو محاولة ممارسة ضغط سياسي وشعبي على الخصم.

وختم عسكر تحليله بالقول إن هناك، وفق تقديره، أدلة تشير إلى تدمير أو إخراج معظم القواعد الأمريكية الـ19 في الشرق الأوسط من الخدمة، لافتاً إلى أن العنصر الحاسم في ذلك يتمثل في تدمير أو تعطيل الرادارات وأجهزة الاستشعار والتجسس عالية الدقة.

كما أشار إلى احتمال وجود دعم استخباراتي روسي لإيران في هذا السياق، وهو أمر قال إن بعض وسائل الإعلام الأمريكية تحدثت عنه مؤخراً.

وأضاف أن استمرار إيران في استخدام صواريخ الجيل الثاني مثل عماد وقدر وخيبر شيكن دون الانتقال إلى الجيل الثالث قد يدل، في رأيه، على أن وصول الصواريخ الإيرانية أصبح أسهل من السابق، وأن هناك فجوة تقنية واستخباراتية ظهرت في منظومة الدفاع الإسرائيلية.

تحليل:

لا يمكن فهم ما يتحدث عنه سامح عسكر فقط باعتباره تراجعاً تكتيكياً في قدرة الدفاع الجوي الإسرائيلي، بل ينبغي النظر إليه كاحتمال لتغير أعمق في بنية منظومة الردع الإقليمية التي بنتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية.

فالقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج وشرق المتوسط لم تكن مجرد مواقع عسكرية، بل كانت جزءاً من شبكة إنذار مبكر عابرة للحدود، تشكل طبقة معلوماتية متقدمة تربط الرادارات وأقمار الاستطلاع ومنظومات الدفاع الجوي في منظومة واحدة تخدم الأمن الإسرائيلي بشكل مباشر وغير مباشر.

هذه الشبكة كانت تمنح كيان الاحتلال ميزة حاسمة تتمثل في الوقت؛ فالفارق بين إنذار مبكر يمتد لعشر أو خمس عشرة دقيقة، وبين إنذار لا يتجاوز دقيقة واحدة، يمثل في العقيدة العسكرية فرقاً بين قدرة الدفاع على تنظيم الاعتراض بشكل منهجي وبين التحول إلى رد فعل متأخر أو فوضوي. وكلما تقلص زمن الإنذار، زادت احتمالات اختراق الصواريخ لمنظومات الاعتراض، خصوصاً إذا كانت الضربات مكثفة ومتزامنة.

ومن زاوية أخرى، فإن استخدام إيران لصواريخ الأجيال الأقدم والأوسط بكثافة قد لا يكون مؤشراً على محدودية قدراتها، بل قد يعكس عقيدة استنزاف طويلة المدى تقوم على إغراق أنظمة الدفاع الجوي بالكم الكبير من الصواريخ الأقل تكلفة، بهدف إنهاك المنظومات الاعتراضية الأكثر كلفة وتعقيداً. ففي الحروب الصاروخية الحديثة، لا يكون العامل الحاسم دائماً هو تطور الصاروخ، بل التوازن بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع؛ إذ قد يكلف صاروخ هجومي عشرات الآلاف من الدولارات، بينما يكلف صاروخ الاعتراض ملايين الدولارات.

كما أن استهداف القواعد الأمريكية يحمل بعداً استراتيجياً يتجاوز البعد العسكري المباشر، لأنه يضرب فكرة المظلة الأمنية الأمريكية التي اعتمد عليها كيان الاحتلال وبعض حلفاء واشنطن في المنطقة. فهذه القواعد لم تكن فقط منصات عمليات، بل كانت أيضاً مركز الثقل في جمع المعلومات الاستخباراتية وتنسيق الدفاعات الجوية الإقليمية. وتعطيل جزء من هذه الشبكة يعني عملياً إضعاف قدرة الولايات المتحدة على إدارة المعركة من الخلف.

وفي حال تأكد تراجع فاعلية هذه المنظومة، فإن ذلك قد يشير إلى تحول تدريجي في طبيعة الصراع في الشرق الأوسط من صراع قائم على التفوق التكنولوجي المطلق إلى صراع يقوم على حروب الاستنزاف المركبة التي تجمع بين الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية والحرب المعلوماتية.

غير أن هذه الصورة تبقى غير مكتملة؛ فالتقديرات المتعلقة بتدمير معظم القواعد الأمريكية أو خروجها من الخدمة تحتاج إلى أدلة ميدانية مستقلة، لأن الحروب الحديثة تترافق عادة مع حرب روايات إعلامية ونفسية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية نفسها.

ومع ذلك، فإن مجرد نجاح إيران في تقليص فاعلية شبكة الإنذار المبكر – حتى بشكل جزئي – يمكن أن يمثل تحولاً مهماً في معادلة الردع الإقليمي، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع تعتمد فيها الأطراف على اختبار حدود القوة التقنية والاستخباراتية لدى خصومها.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com