عطوان: هل جاء تأسيس “الناتو” الثلاثي السعودي التركي الباكستاني بسبب قرب الانسحاب العسكري الأمريكي من “الشرق الأوسط”..!
أبين اليوم – مقالات وتحليلات
تحليل/ عبدالباري عطوان:
في مقال نشره في مجلة “فورين افيرز” الامريكية العالمية، طرح مايكل فوكس المستشار السابق في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن سؤالا على درجة كبيرة من الأهمية يقول “هل حان الوقت لانسحاب أمريكا من منطقة الشرق الأوسط”؟ وأجاب على هذا السؤال بـ”نعم” لان الاستراتيجية الامريكية فشلت في المنطقة، واعتبر ان الحرب على ايران “كارثة استراتيجية كبرى”.
هذا المقال يذكرنا بالخطأ الاستراتيجي الأوروبي التاريخي التي يتجسد بالعدوان الثلاثي الكارثي على مصر عام 1956، والقاسم المشترك بين العدوانيين سواء الثلاثي، او الأمريكي على ايران، هو التحريض الإسرائيلي، وعنصر الغطرسة وسوء التقدير لقوة الخصم، والمعادلات الدولية بالتالي، ولهذا جاءت النتائج كارثية، فحرب السويس، او العدوان الثلاثي، كان نقطة البداية لانهيار الامبراطوريتين الاستعماريتين البريطانية والفرنسية، وصعود البديل الأمريكي، على انقاضهما والتربع على عرش العالم.
نعرف جيدا ان الكثير من خصوم ايران في المنطقة، سواء لأسباب طائفية او عرقية، لا يريدون استخدامنا “لمصطلحي” الهزيمة بالنسبة الى الولايات المتحدة، والانتصار بالنسبة الى ايران، ولكن عندما يؤكدهما شخص مثل المستشار الاستراتيجي مايكل فوكس، فان ردود الفعل الناقدة تختلف هنا، بسبب “عقدة” الأجنبي المسيطرة.
العدوان الأمريكي الإسرائيلي على ايران كشف فعلا عن فشل الاستراتيجية الامريكية في “الشرق الأوسط” التي عمادها استخدام القوة، والتفوق الجوي، وانفاق مئات المليارات من الدولارات لبناء ما يقرب من 50 قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، وخاصة في الجزيرة العربية والخليج العربي، وفوق هذا وذاك سوء تقدير قوة الخصم “إيران”، زعيمة محور المقاومة واذرعها في لبنان واليمن والعراق، التي فاجأت أمريكا وحليفها الإسرائيلي، بقدرات عالية في تطوير قدراتها النووية والصاروخية، وإدارة المواجهة العسكرية المباشرة او غير المباشرة، في أجواء وبحار المنطقة.
هناك عدة ادلة تؤكد نظرية المستشار الأمريكي فوكس الصائبة حول فشل الوجود الأمريكي العسكري في منطقة الشرق الأوسط، نلخصها في النقاط التالية:
أولا: هزيمة السلاح الأمريكي، وخاصة الجوي والبحري في مواجهة الصواريخ والمسيّرات وخطط محور المقاومة وجبهات القتال الميدانية، فقد اعترفت الولايات المتحدة بسقوط اكثر من 40 طائرة متطورة جدا مثل “اواكس” و”اف 15″ و”اف 35″ وطائرة التزود بالوقود في الجو، والمسيّرات الامريكية المتطورة مثل “MQ90.
ثانيا: صمود النظام الإيراني وامتصاصه للضربات الامريكية الأولى الصاعقة، وهو الصمود الذي استمر لـ 6 اشهر تقريبا وبصورة أقوى، وسد معظم الثغرات الاستخبارية مما أدى الى تقليص او القضاء على سلاح الاغتيالات لقادة الصف الأول من العسكريين، وعلماء الطاقة النووية.
ثالثا: استنزاف أمريكا وسلاحها الصاروخي، وقد اعترفت القيادة الامريكية بأنها خسرت 80 بالمئة من مخزونها الصاروخي الاعتراضي والذخائر الحربية الاخرى مما جعلها غير قادرة على الاستمرار في حرب الاستنزاف التي جرتها اليها القيادة الإسرائيلية ممثلة في بنيامين نتنياهو، فالفضل الكبير في هذا الاستنزاف يعود بالدرجة الأولى الى الصواريخ الإيرانية سواء الفرط صوتيه او الانشطارية الرأس مثل فاتح وخيبر، وخرمشهر، فكل صاروخ انشطاري يحتاج الى 70 صاروخا “باتريوت” او “ثاد” لاعتراضه والصواريخ الصغيرة المنشطرة عنه.
رابعا: العدوان الأمريكي على ايران لم يعد يحقق الامن والاستقرار سواء لقواعدها في المنطقة، او لدولة الاحتلال الإسرائيلي، فالصواريخ الإيرانية دمرت معظم احياء تل ابيب الكبرى، وأغلقت ميناء ايلات واخرجته عن العمل، واستهدفت القواعد العسكرية في حيفا، ووصلت الى محيط معمل ديمونا النووي.
خامساً: اغلاق اهم مضيقين بحريين في “الشرق الأوسط” امام التجارة العالمية، الأول كلياً “مضيق هرمز”، والثاني جزئياً “مضيق باب المندب“، وأصبحت ايران تتحكم في الاقتصاد العالمي صعوداً وهبوطاً، والشيء نفسه يقال عن أسعار النفط والغاز، ومصادر الطاقة الأخرى، والتضخم العالمي.
سادساً: حروب أمريكا في الشرق الأوسط (العراق، أفغانستان، سوريا، والآن ايران) كلفت الخزانة الامريكية ما يقرب من 8 تريليونات دولار، وهذا الرقم جاء في مقال المستشار فوكس وليس من عندي.
رئيس هيئة الأركان الامريكية الجنرال دان كين قال اليوم انه يجب البحث عن مخرج سريع من الحرب في ايران والاعتراف بأن القوة الجوية وحدها لن تحقق أياً من اهداف ترامب، فالجيش الأمريكي تعرض لمصيدة استنزاف إقليمية موسعة على أكثر من جبهة، ونقص الذخيرة، واستعادة جميع صواريخ “الباتريوت” الاعتراضية التي بيعت الى دول أوروبية، ووقف ارسالها الى أوكرانيا هي الأدلة الدامغة.
الانتصار في الحروب، جزئياً او كلياً، لا يتحقق بالقصف الجوي وحده، وانما بالاجتياح البري، مثلما حصل في العراق وأفغانستان، ولكن الحفاظ على هذا الانتصار حتى لو تحقق غير مضمون، ومكلف جدا، ويطيل من عمر الانتصار بضعة سنوات، ولكن الهزيمة والانسحاب الهروبي المهين قادم حتماً ولا يمكن تأخيره الى الابد.
ترامب يريد نهاية سريعة للعدوان على ايران، ويرفض كلياً اللجوء الى الخيار البري، لإنقاذ حزبه الجمهوري وقاعدته الشعبية المتآكلة قبل الانتخابات النصفية بعد ان انخفضت هذه الشعبية الى أقل من 28 بالمئة، ويواجه هذا الحزب انقساماً في صفوفه قد تؤدي الى انشقاق وتأسيس حزب ثالث، وفوق هذا وذاك ان 82 بالمئة من الامريكان يعارضون الحرب في ايران.
ختاماً: هل جاء التأسيس السريع للحلف الثلاثي السعودي التركي الباكستاني بسبب قرب “الهروب” الأمريكي المتوقع من المنطقة تقليصاً للخسائر والهزائم.. لا نستبعد هذا الاحتمال..
والأيام بيننا.
المصدر: رأي اليوم