عطوان: من هي إسرائيل حتى تتطاول على بريطانيا العظمى وترد لها “الجميل” بإغلاق قنصليتها بالقدس المحتلة؟ وما هو العنصر المفجر لهذه الحرب بين “الأصدقاء”؟ وهذا تحذيرنا لرئيس الوزراء البريطاني..!
أبين اليوم – مقالات وتحليلات
تحليل/ عبدالباري عطوان:
الهجوم الذي يشنه المسؤولون الإسرائيليون على بريطانيا وحكومتها العمالية الجديدة هذه الأيام يشكل قمة التنمر والوقاحة والغطرسة، ويتصرفون كما لو أن بريطانيا مستعمرة إسرائيلية، وليست دولة عظمى لعبت دوراً تاريخياً في قيام كيانهم (إسرائيل) واستقبال مئات الآلاف من الهاربين اليهود من “الهولوكوست” في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تطبيقاً لوعد بلفور المشؤوم.. إنها قمة “نكران الجميل” والغدر، وطعنة مسمومة في ظهر من ساندهم وصنعهم ووقف معهم.
نعم.. إسرائيل كانت وما زالت حتى اليوم محتلة لبريطانيا العظمى عبر لوبياتها الصهيونية العميقة الجذور في الدولة والمجتمع البريطاني لأكثر من سبعين عاماً، حيث سيطرت على الإعلام والخارجية، ومعظم مفاصل الدولة الرئيسية، ولم تتوقع مطلقاً أن تأتي حكومة بريطانية تعترف بالخطأ، وتحاول البدء في إصلاحه، ولو بخطوات أولية بدائية جداً.
نعترف أنه كان موقفاً شجاعاً الذي اتخذه أندي بيرنهام رئيس الوزراء البريطاني مع 11 دولة أوروبية إلى جانب كندا بحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، وفرض عقوبات على المستوطنات والمستوطنين، وذهب وزير خارجيته إد ميلباند إلى أبعد من ذلك عندما قال: “إن ما تمارسه إسرائيل في الضفة الغربية على يد المستوطنين الإرهابيين يشكل تطهيراً عرقياً”.

ما هو أخطر من ذلك في رأينا ان يعترف بيرنهام ان بريطانيا تأخرت، ولم تتخذ رد الفعل الكافي تجاه الوضع في قطاع غزة، ويصف المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بأنها “جرح في ضمير العالم”، ويؤكد بكل وضوح “انه لا يستطيع الوقوف متفرجا بينما تستمر هذه المعاناة الرهيبة في القطاع، ويستمر مقتل الأبرياء يوميا”.
أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي أبداً، ولكننا سمعنا هذه الأقوال كثيراً من قادة بعض الدول الأوروبية، بل والعربية أيضا، ولم نر أي تطبيقات عملية تضع حدا لهذه الوحشية الإسرائيلية، وتوقف حرب الإبادة في الضفة والقطاع، فالتواطؤ الأوروبي مع الجرائم الإسرائيلية في المنطقة هو الذي شجع هذه الوحشية.
المضحك ان الرئيس الإسرائيلي إسحاق هيرتزوغ، ووزير خارجيته جدعون ساعر يعتبران ان هذا القرار البريطاني الأوروبي بفرض عقوبات على المستوطنات والمستوطنين الإرهابيين يشكل تدخلاً سافراً في الديمقراطية الإسرائيلية، والسؤال هو عن أي ديمقراطية يتحدثون؟
فهل من الديمقراطية أبادة 73 الفا و669 حتى اليوم، نصفهم من النساء والأطفال، وتدمير 95 بالمئة من المنازل والمستشفيات في قطاع، وتجويع المواطنين وتعطيشهم حتى الموت، ومنع دخول معظم الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، واستمرار التهديد الجدي بتهجير مليونين من أبناء القطاع الى مناف يعدها سموتريتش وبن غفير علانية في “ارض الصومال” وادغال افريقيا بالتهديد، والاغراء المالي، والدعم الأمريكي.
مَن إسرائيل هذه التي تتجرأ على تهديد بريطانيا، وتغلق قنصليتها في القدس المحتلة، وتطرد دبلوماسيها، وربما تكون خطواتها التالية اغلاق سفارتها، وسفارات الدول الأوروبية الـ 12 التي وقعت البيان المشترك حول فرض عقوبات على مستوطنيها؟
من المفارقة ان السفير الأمريكي في القدس المحتلة مايك هاكابي نزل الى الميدان، وشارك في الحملة على بريطانيا وفرنسا واسبانيا وكندا التي قررت فرض عقوبات على المستوطنين الإرهابيين، واتهم اد ميلباند وزير الخارجية البريطاني بأنه “معاد لليهود” او السامية، ونسي هذا الجاهل العنصري والمقرب جدا من دونالد ترامب ان اد ميلباند يهودي الديانة، ولكنه ينأى بنفسه عن جرائم ومجازر الحركة الصهيونية في فلسطين المحتلة والمنطقة، لانه يدرك انها تشكل اكبر تهديد ليس على اليهود فقط، وانما الإنسانية جمعاء وينحاز الى ضميره الحي.
ختاماً.. نقول لأندي بيرنهام رئيس الوزراء البريطاني وكل موقعي البيان الأوروبي المشترك، ان فرض عقوبات على المستوطنين الإسرائيليين خطوة جيدة ولكنها صغيرة جدا، وثانوية، ورمزية، والحظر يجب ان يشمل دولة إسرائيل كلها واقتصادها، وثقافتها العنصرية الإرهابية التي يتبناها هؤلاء بتحريض من الدولة الممولة والحامية لهم، وربما يفيد التذكير بأن منطقة الشرق الأوسط تتغير بسرعة، وامريكا زعيمة “العالم الحر” انهزمت في الحرب الإيرانية، وهي تدرس جديا الانسحاب من المنطقة بأسرها اعترافا بالهزيمة وتقليصا للخسائر، والحكيم من اتعظ بغيره.. والأيام بيننا.
وعليه يمكن القول:
من يهدد مَن؟ ومن يدفع فاتورة بلفور؟
إن هذا الصراع بين لندن وتل أبيب ليس خلافاً بين “أصدقاء”، ولا زلة لسان دبلوماسية، بل فضح متأخر لعلاقة قائمة على النفاق والابتزاز. إسرائيل ليست دولة عظمى، ولا هي ندّ لبريطانيا، بل مشروع استيطاني مسلح صنعته بريطانيا بيدها عبر وعد بلفور، ثم رعته أوروبا وأمريكا بالمال والسلاح والغطاء السياسي. فمن حق من رضع من ثدي الاستعمار أن يعضّ يد أمه؟ هذا ليس “نكران جميل” فحسب، بل طبيعة الكيان الذي لا يعرف إلا منطق القوة، ولا يفهم إلا لغة الأمر الواقع.
والعنصر المفجّر لهذه الحرب بين “الأصدقاء” ليس عقوبات على مستوطنين، ولا بياناً أوروبياً مشتركاً، بل الحقيقة التي بدأت تتسرب إلى الضمير الغربي: أن ما يحدث في غزة والضفة ليس “دفاعاً عن النفس”، ولا “ديمقراطية”، بل تطهير عرقي وإبادة جماعية وتجويع منهجي.
حين يقول وزير الخارجية البريطاني إن المستوطنين “إرهابيون” وإن ما يجري “تطهير عرقي”، فإنه يمسّ صلب المشروع الصهيوني كله، لأن الاستيطان ليس شذوذاً في إسرائيل، بل هو جوهرها. ومن هنا الجنون الإسرائيلي: أي اعتراف غربي بجزء من الجريمة يعني فتح باب المحاسبة على الجريمة كلها.
أما بريطانيا، فهي ليست بريئة. تأخرها سبعة عقود، ثم مجيئها اليوم بعقوبات رمزية على بضع مستوطنين، لا يغسل عار بلفور، ولا يمحو دم غزة. نعم، الاعتراف بالتأخر خطوة، لكنها خطوة يائسة من ساعي بريد جاء بعد أن احترق البيت. لقد كانت بريطانيا شريكة في التأسيس، وشريكة في التغطية، ولا يمكنها أن تتبرأ من جريمتها بمنديل دبلوماسي صغير.
والتحذير واضح: يا رئيس الوزراء البريطاني، لا تظن أن إغلاق قنصلية أو تهديد سفارة سيوقفك. إسرائيل لا تهدد بريطانيا لأنها قوية، بل لأنها تعرف أن الغرب ضعيف أمامها، مرتهن لها، خائف من لوبياتها، وعاجز عن الاعتراف بأنه ربّى وحشاً. فإذا أردت أن تدخل التاريخ من باب الشجاعة، فلا تكتفِ بعقوبات على مستوطنين؛ اعترف بفلسطين، وقطع السلاح عن إسرائيل، وحاسبها كدولة فصل عنصري، وألغِ وعد بلفور من الذاكرة السياسية. أما إذا اكتفيت بالتمثيل، فستبقى شريكاً في الإبادة، وستذكرك الشعوب كما تذكر بلفور: لعنة في التاريخ.
الأيام بيننا، لكن الدماء سبقتنا إلى المحكمة. ومن ركب قطار المجرمين متأخراً، لا يصل إلا إلى محطة العار.
المصدر: رأي اليوم