السعودية تُحمّل “الشرعية“ فاتورة عقد من الفشل في اليمن.. كاتب مقرّب من أرامكو يفتح باب التنصل من المسؤولية..!

5٬889

أبين اليوم – خاص 

في تقييم سياسي لافت، يعكس محاولة متصاعدة لإعادة صياغة رواية الفشل السعودي في اليمن، حمّل الكاتب السعودي ومستشار شؤون شركات أرامكو، صالح العمار، القوى المنضوية تحت معسكر «الشرعية» المسؤولية الرئيسية عن إخفاق ما وصفه بـ«استثمار الدعم السعودي الهائل طوال العقد الماضي»، متحدثاً عن اختلالات بنيوية وغياب مشروع وطني جامع حالا دون تحقيق أهداف التحالف.

وتأتي تصريحات العمار في وقت تشهد فيه حكومة عدن المدعومة سعودياً واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً، وسط أزمات سياسية وعسكرية واقتصادية متراكمة، وتصاعد الخلافات بين مكوناتها، بالتزامن مع اتساع الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية والشرقية وتفاقم الصراع على النفوذ والموارد.

وفي منشور على منصة «إكس»، حاول العمار التأكيد على أن التدخل السعودي في اليمن لم يكن، بحسب تعبيره، «نزهة»، وإنما جاء استجابة لطلب رسمي من الحكومة المعترف بها دولياً، مشيراً إلى أن الرياض تحملت خلال أكثر من عقد الجزء الأكبر من الكلفة العسكرية والاقتصادية والإنسانية للتدخل.

وفي السياق ذاته، وصف العمار «الحقيقة» بأنها مؤلمة، متهماً أطرافاً يمنية عديدة في معسكر «الشرعية» بالفشل في توحيد الصفوف وبناء مؤسسات الدولة وإصلاح الإدارة، مقابل الانشغال بالصراعات الداخلية والمحاصصة والمشاريع المناطقية والحزبية الضيقة.

كما أشار إلى أن الجنوب «انقسم على نفسه»، وأن الموارد جرى إنفاقها في غير مواضعها، بينما استشرى الفساد وتحول الاعتماد على الخارج من إجراء مؤقت إلى «عادة مستدامة»، بحسب وصفه.

وخلص الكاتب السعودي إلى أن الدعم الخارجي لا يستطيع بناء الدول من العدم ما لم تتوافر الإرادة والإدارة لدى الأطراف المحلية، معتبراً أن من «يفرط في فرصة تاريخية بحجم الدعم السعودي» لا يحق له، وفق طرحه، أن يلوم إلا نفسه.

غير أن هذا الطرح يفتح في المقابل سؤالاً أكثر جوهرية: هل كانت «الشرعية» صاحبة القرار فعلاً طوال السنوات الماضية، أم أن جزءاً كبيراً من عجزها كان نتيجة مباشرة لطبيعة الوصاية الإقليمية التي أحاطت بها؟

تحليل:

المفارقة أن السعودية لا تواجه اليوم أزمة أدواتها في اليمن بقدر ما تواجه حصيلة مشروعها هي في اليمن. فالقوى التي يجري تحميلها المسؤولية لم تكن كيانات مستقلة نشأت بعيداً عن الرياض؛ بل كانت، في جانب كبير منها، قوى احتضنتها السعودية ومولتها وسلّحتها ودعمتها سياسياً، وأشرفت على إعادة تشكيلها منذ اليوم الأول للتدخل، وربطت قرارها السياسي والعسكري والمالي بها.

ولذلك فإن الحديث عن فشل «الشرعية» بمعزل عن الدور السعودي ليس سوى محاولة لفصل النتيجة عن صانعها.

فبعد أكثر من عقد من الحرب، لم تنجح السعودية في تحقيق الأهداف التي أعلنتها عند تدخلها، ولم تتمكن من بناء سلطة يمنية موحدة قادرة على إدارة البلاد، ولا من إنهاء الانقسام العسكري والسياسي، ولا من إنتاج شريك يملك قراراً مستقلاً.

والأسوأ أن معسكرها نفسه تحول إلى ساحة صراع بين أدوات متعددة، بعضها يتلقى توجيهاته وتمويله من الرياض، وبعضها من أبوظبي، فيما بقيت الدولة التي قيل إن الحرب جاءت «لإنقاذها» أكثر هشاشة وانقساماً.
وهنا تتكشف المفارقة الأكبر: السعودية تريد اليوم أن تحاكم أدواتها على فشل المشروع الذي صاغته وأدارت مساره وأمسكت بمفاتيح تمويله وقراره طوال سنوات.

فإذا نجحت الأدوات نُسب النجاح إلى الدعم السعودي، وإذا فشلت أُلقي الفشل على اليمنيين؛ وكأن الرياض كانت مجرد ممول خارجي لا علاقة له ببنية السلطة والتحالفات والقوات والقرارات التي أنتجت هذا الواقع.
لذلك فإن تصريحات العمار لا تبدو مجرد تشخيص لأخطاء «الشرعية»، بل أقرب إلى بيان دفاع مبكر عن السعودية أمام استحقاق هزيمة بات من الصعب إخفاؤها: فبدلاً من أن تسأل الرياض لماذا فشل مشروعها رغم كل ما أنفقته وحشدته، يجري الآن تحميل الأدوات التي صنعتها ورعتها مسؤولية الانهيار، تمهيداً للتنصل من المسؤولية السياسية والتاريخية عن حصيلة أكثر من عقد. عجيبة أن يتحول صانع الأدوات، بعد سقوط مشروعه، إلى قاضٍ عليها..!

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com