“عرب جورنال“| اليمن بين التفكيك الممنهج والوصاية الإقليمية: كيف صُنِعت الأزمة على مدى عقود..!
أبين اليوم – خاص
تقرير/ عبدالرزاق علي:
يعاني اليمن اليوم من أزمات اقتصادية واجتماعية معقدة، لكن هذه الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل نتاج سياسات ممنهجة استمرت لعقود. الفقر، وانعدام الاستقرار، والانقسام الداخلي لم تكن مجرد أخطاء إدارية أو ظرفية، بل هي نتاج نهج متواصل يهدف إلى إبقاء اليمن ضعيفاً وخاضعاً للوصاية السياسية والاقتصادية.
تاريخياً، اعتبرت السعودية اليمن الجار القوي تهديداً لمصالحها الإقليمية، وبدأت في بناء سياسات تعمل على تقييد القوة اليمنية وتقليص إمكاناتها.
من أبرز مظاهر هذه السياسات دعم أطراف محلية معينة على حساب الدولة، وهو ما عزز سلطة القبيلة وأضعف مؤسسات الدولة، وخلق حالة من الانقسام الداخلي المستمر.
هذه الخطوة لم تكن مجرد تدخل عابر، بل استراتيجية تهدف إلى التأثير على السلطة المحلية وتحجيم الدولة اليمنية سياسياً واجتماعياً.
كما أن السياسة السعودية تجاه اليمن اتسمت بازدواجية واضحة: تقديم دعم مالي لحكومة معينة أو قيادات محددة، بينما يتم تمويل خصومها في الوقت نفسه.
هذا الأسلوب أدى إلى إبقاء اليمن في حالة عدم استقرار دائم، حيث كانت الموارد تُستخدم كأداة للضغط والسيطرة، وليس لتحسين حياة اليمنيين.
ويمكن اعتبار هذه الممارسات جزءاً من مشروع طويل الأمد لإبقاء اليمن في حالة ضعف مستمر، بحيث يصبح عالقاً بين تبعات النزاعات الداخلية والضغوط الخارجية.
ـ تدخلات عسكرية وثقافية لإعادة تشكيل اليمن:
التدخل العسكري السعودي في اليمن منذ عام 2015 لم يكن مجرد عملية عسكرية محددة، بل كان جزءاً من استراتيجية أوسع للسيطرة على القرار السياسي اليمني. عمليات مثل «عاصفة الحزم» لم تهدف إلى بناء الدولة اليمنية أو تحقيق استقرار اقتصادي واجتماعي، بل لتعزيز النفوذ السعودي وتأمين مصالحها الاستراتيجية على حساب اليمنيين أنفسهم.
هذه التدخلات ساهمت في تعميق الأزمة الإنسانية، وزيادة معدلات الفقر والجوع، وتحويل الدولة إلى ساحة صراع دائم تتقاذف فيها القوى المحلية والإقليمية مصالحها.
بالإضافة إلى ذلك، اتجهت السياسات السعودية إلى ما يمكن وصفه بـ«حرب ثقافية»، تستهدف إعادة تفسير التاريخ والهوية اليمنية.
من خلال التشكيك في الموروث الديني والحضاري، وتقليص دور حضارات سبأ وحِمير، حاولت هذه السياسة تشويه صورة اليمن التاريخية وتضعف من شعوره بالاستقلالية والاعتداد بذاته.
الهدف هنا ليس فقط السيطرة السياسية، بل السيطرة على الوعي الوطني والثقافي، بحيث يصبح اليمنيون أقل قدرة على المطالبة بحقوقهم أو مقاومة النفوذ الخارجي.
هذه السياسات تكشف عن نهج ممنهج لإفقار اليمن اقتصادياً وثقافياً وسياسياً. الموارد التي كانت من الممكن أن تُستخدم لتعزيز التنمية وتحسين حياة المواطنين، تم توجيهها أحياناً لدعم أطراف محددة، أو لإشغال الدولة في صراعات داخلية، ما أضاع على اليمن فرصاً حقيقية للنمو والاستقرار.
في النهاية، الأزمة اليمنية ليست مجرد فشل داخلي، بل هي نتيجة تراكم سياسات خارجية متعمدة لإضعاف الدولة واستمرار تبعية الجار الأقوى. أي توقع بأن القوى التي أسهمت في إفقار اليمن يمكن أن تمنحه الازدهار اليوم، يعد وهمياً.
إن فهم هذا السياق التاريخي والسياسي أمر أساسي لتطوير استراتيجيات وطنية قادرة على مواجهة التحديات الراهنة واستعادة القدرة على اتخاذ القرار بشكل مستقل.
تحليل:
تكشف هذه القراءة أن الأزمة اليمنية تتجاوز إطار “الفشل الداخلي” إلى كونها نتاج تفاعل معقد بين سياسات داخلية مختلة وضغوط خارجية متعمدة.
التدخل العسكري السعودي منذ 2015، بما فيه عمليات مثل «عاصفة الحزم»، لم يؤسس لبناء دولة أو استقرار مستدام، بل عمّق الانهيار الإنساني والاقتصادي، وحوّل اليمن إلى ساحة صراع مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
الأخطر من ذلك هو البعد الثقافي لهذه السياسات، حيث جرى استهداف الهوية اليمنية ذاتها عبر التشكيك في تاريخها الحضاري والديني، في محاولة لإضعاف الوعي الوطني وتجريد المجتمع من عناصر الاعتداد بالذات.
إن الرهان على قوى شاركت في إضعاف اليمن لإعادة بنائه اليوم يبدو وهماً سياسياً، ما لم يُقابل بفهم عميق لهذا السياق التاريخي، وصياغة مشروع وطني مستقل يعيد الاعتبار للسيادة، ويستعيد القرار اليمني من دوائر الوصاية والتبعية.
– المصدر : عرب جورنال