“تقرير“| السيادة فوق الأطماع: انهيار المشروع الإماراتي-الإسرائيلي في جنوب البحر الأحمر وباب المندب..!

7٬883

أبين اليوم – خاص 

مع مطلع العام الجاري، انهارت أمام أعين العالم واحدة من أخطر المشاريع التوسعية في القرن الإفريقي وخليج عدن: المشروع الإماراتي–الإسرائيلي الذي حاول، بعقلية المقاول العسكري والعميل الإقليمي، فرض السيطرة على مضيق باب المندب والممرات البحرية الدولية، مستخدمًا القواعد الورقية، الميليشيات، والأدوات الاستخباراتية تحت غطاء الاستثمارات والدبلوماسية المزيفة.

هذا الانهيار لم يكن مجرد نكسة تكتيكية، بل فضيحة استراتيجية تُظهر هشاشة كل حسابات أبوظبي وتكشف أن أطماع القوى الخارجية، مهما بلغت خبثًا وتخطيطًا، لا يمكن أن تصطدم إلا بإرادة الشعوب وعزم القوى الوطنية على حماية سيادتها.

الإمارات حاولت تحويل الجزر والموانئ في اليمن والصومال إلى قواعد لتثبيت نفوذ كيان الاحتلال الإسرائيلي، مستخدمة أدوات محلية تحت مسميات مزيفة، لكنها وجدت نفسها أمام صمود شعوب رفضت أن تتحول أراضيها إلى حصون لمشروع خارجي عدواني. اليمن والصومال أثبتتا أن السيادة ليست مجرد توقيع على اتفاقيات، بل قوة فعلية على الأرض قادرة على قلب موازين القوى، وتحويل أي قاعدة عسكرية “استراتيجية” إلى هدف هش وعبء أمني لمن تسلّل إلى أراضيها.

إن الفشل الإماراتي–الإسرائيلي ليس درسًا تكتيكيًا فقط، بل إعلان صارخ أن أي مشروع يقوم على خيانة الأرض وبيع النفوذ للخارج محكوم عليه بالانهيار. كل محاولة لاحتكار الممرات البحرية بالقوة، أو تحويل الأراضي الوطنية إلى أدوات تجسس وعقاب استراتيجي، تصطدم بالوعي والإرادة الوطنية، لتتحول الطموحات الخبيثة إلى عبء لا يُحتمل على من حاول فرضه، وتصبح كل قاعدة، وكل اتفاقية، شهادة فشل مدوية على استهتارهم بمصالح الشعوب المستهدفة.

مع مطلع العام الجاري شهدت منطقة القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر تحولاً جذرياً في موازين القوى، حيث تهاوت طموحات ما يمكن تسميته بـ “محور الهيمنة في المنطقة” المتمثل في التحالف غير المعلن بين الإمارات وكيان الاحتلال بدعم ورعاية الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا التحالف، الذي سعى لسنوات إلى إحكام القبضة على مضيق باب المندب والممر الملاحي الدولي. التقرير التالي يسلط الضوء على تآكل هذا النفوذ الذي انكسر على صخرتي الصومال واليمن.

المخطط المشترك: خنق الممرات الدولية:

لسنوات، عملت الإمارات كمقاول إقليمي لتنفيذ رؤية مشتركة مع الكيان الإسرائيلي، تهدف إلى بناء “طوق خانق” حول مضيق باب المندب. وكان المخطط يرتكز على السيطرة على نقاط الارتكاز الملاحية: من أرخبيل سقطرى وجزيرة ميون في اليمن، وصولاً إلى بربرة وبوصاصو في الصومال.

ولطالما اعتبرت أبوظبي الموانئ والممرات المائية “أصولاً استراتيجية” لا بد من الاستحواذ عليها لتعويض ضآلة حجمها الجغرافي. ومع توقيع “اتفاقيات أبراهام”، تحول هذا الطموح إلى مشروع مشترك مع الكيان الإسرائيلي، حيث كان المخطط يهدف إلى بناء “طوق أمني” يبدأ من جزيرة سقطرى اليمنية، مروراً بمضيق باب المندب، وصولاً إلى سواحل أرض الصومال وبونتلاند.

الهدف لم يكن تجارياً فحسب، بل كان بناء منظومة رصد وتجسس إسرائيلية متكاملة تحت غطاء الاستثمارات الإماراتية، لضمان السيطرة على حركة السفن وتأمين العمق الاستراتيجي للكيان الصهيوني بعيداً عن مياهه الإقليمية.

وسبق أن كشفت التقارير الاستخباراتية الدولية في أواخر عام 2025 عن إنشاء شبكة من القواعد العسكرية المشتركة في أرخبيل سقطرى وجزر “عبد الكوري”، مجهزة بأنظمة رصد وتجسس إسرائيلية متطورة، الهدف كان واضحاً، وهو تحويل خليج عدن إلى “بحيرة أمنية” يتحكم فيها هذا المحور، مما يمنح إسرائيل عمقاً استراتيجياً في مواجهة القوى الإقليمية، ويؤمن لها ممر التجارة نحو آسيا بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.

الزلزال الصومالي: “السيادة لا تباع”:

جاءت نقطة التحول الكبرى عندما أعلنت الحكومة الفيدرالية في مقديشو الإثنين إلغاء كافة الاتفاقيات مع دولة الإمارات، وهذا القرار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء بعد “انكشاف كامل” للأدوار؛ حيث ثبت تورط أبوظبي في هندسة اعتراف إسرائيلي بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي مقابل قواعد عسكرية دائمة.

وأعلن مجلس الوزراء الصومالي في بيان نشرته وكالة الأنباء الصومالية، “إلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك تلك المتعلقة بالمؤسسات الاتحادية والكيانات التابعة لها والولايات الأعضاء الاتحادية العاملة داخل جمهورية الصومال الاتحادية”.

ويسرى هذا القرار- بحسب البيان- “على جميع الاتفاقيات والترتيبات التعاونية المتعلقة بموانئ بربرة وبوساسو وكيسمايو”، مشيراً إلى أن هذا القرار جاء بعد تقييم دقيق للتطورات الأخيرة، واستند إلى تقارير موثوقة وأدلة دامغة تشير إلى أعمال تُعتبر ضارة باستقلال الصومال ووحدته الوطنية وسيادته السياسية.

كما ألغى القرار جميع الاتفاقيات الثنائية القائمة بين حكومة الصومال الاتحادية وحكومة الإمارات، بما في ذلك اتفاقيات التعاون الأمني والدفاعي، مؤكداً أن هذه الأعمال تُخالف المبادئ الأساسية للسيادة وعدم التدخل واحترام النظام الدستوري، كما هي منصوص عليها في الأطر الدولية والإقليمية، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، وميثاق منظمة التعاون الإسلامي، وميثاق جامعة الدول العربية، وجميعها أطراف في الصومال.

وبرحيل الخبراء العسكريين الإماراتيين وحظر طيرانهم، بموجب إلغاء تلك الاتفاقيات يفقد كيان الاحتلال “عينه” التي كان يطمح لزرعها في الساحل الصومالي، بعد أن أدركت مقديشو أن الوجود الإماراتي هو “حصان طروادة” صهيوني يهدف لتمزيق الوحدة الوطنية الصومالية وتحويل موانئها إلى مراكز عمليات استخباراتية.

صنعاء وفصل الخطاب العسكري:

بينما كانت الصومال تتحرك دبلوماسياً وقانونياً، فجرت حكومة صنعاء القنبلة التي زعزعت أركان المشروع الإماراتي الإسرائيلي، عبر موقف حازم لا مواربة فيه، حيث أصدرت صنعاء بيانات شديدة اللهجة، هددت فيها باللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة لمواجهة أي تحرك يهدف لتمكين كيان الاحتلال من الحصول على موطئ قدم في الساحل الصومالي أو جزر خليج عدن.

وأكدت القوات المسلحة في صنعاء أن أي منشأة أو تواجد عسكري إسرائيلي (سواء كان مباشراً أو بغطاء إماراتي) على السواحل الصومالية سيكون ضمن دائرة استهداف الصواريخ والمسيّرات اليمنية، كما اعتبرت صنعاء أن أمن الساحل الصومالي جزء لا يتجزأ من أمن البحر الأحمر والعربي، وأن السماح لكيان الاحتلال بالتواجد هناك يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي اليمني والعربي.

ويؤكد المحللون أن هذا الموقف الحازم من قبل حكومة صنعاء أرسل رسالة واضحة، مفادها أنه “لا أمان لأي قاعدة تخدم كيان الاحتلال في هذه الجغرافيا”، وبذلك فإنه إذا ما ثبت أي تواجد إسرائيلي أو استفادة من القواعد الإماراتية في الصومال، ستتحول هذه القواعد من “أصول استراتيجية” إلى “أهداف هشة” وعبء أمني ثقيل، الأمر الذي يجعل الخيار الوحيد أمام أبوظبي هو الانسحاب لتجنب صدام عسكري مباشر مع قوة تمتلك القدرة على الوصول إلى أهدافها بدقة.

اليمن تكتب بداية النهاية:

وقبل السقوط في الصومال، كانت الإمارات قد تجرعت مرارة الفشل في اليمن، فعلى الرغم من محاولات ترسيخ سيطرتها عبر “المجلس الانتقالي”، إلا أن الرفض الشعبي والضغط الإقليمي (خاصة من السعودية التي رأت في التمدد الإماراتي خطراً على أمنها القومي) أجبر أبوظبي على “انسحاب قسري” تحت مسميات تكتيكية.

ولطالما أكدت صنعاء على لسان قياداتها ومسؤوليها أن السيطرة الإماراتية على ميناء المخا وجزيرة ميون في قلب مضيق باب المندب لم يكن لمواجهة “خطر خارجي”، بل كان تمهيداً لتسليم هذه المفاتيح الاستراتيجية لكيان الاحتلال.

ومع تعاظم قوة الردع الوطنية في اليمن، وخاصة لدى قوات حكومة صنعاء، وتصاعد الرفض لسلطة المليشيات المدعومة إماراتياً، وجد الإمارات نفسها عاجزة عن حماية “قواعدها الورقية”.

أحجار “الدومينو” في شرق أفريقيا:

ويؤكد المحللون أن هذا التحرك الذي أودى بطموحات الهيمنة الإماراتية الإسرائيلية لن يتوقف عند حدود الصومال، بل سيمتد ليقوض تلك الطموحات غير المشروعة في القارة السمراء بأكملها، من جيبوتي إلى كينيا وتنزانيا وغيرها، خصوصا بعد الانكشاف الذي منيت به الإمارات في كل من السودان واليمن والصومال.

وأضاف المحللون أن ما حدث للإمارات في كل من اليمن والصومال يمثل إعلاناً رسمياً عن فشل استراتيجية ” السيطرة على الجزر والموانئ” التي انتهجتها أبوظبي لصالح الكيان الإسرائيلي، بعد إدراك الدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن أن حماية الممرات المائية هي مسؤولية الشعوب المطلة عليها، وليست حقاً للقوى الوظيفية التي تبيع جغرافيتها وموانئها لأعداء المنطقة.

وعليه يمكن القول:

يمثل انهيار المشروع الإماراتي–الإسرائيلي في اليمن والصومال ضربة استراتيجية مزدوجة: أمنيًا عبر فقدان السيطرة على ممرات بحرية حيوية، ودبلوماسيًا من خلال عزلة أبوظبي على الساحة الإقليمية.

إن ما شهدته اليمن والصومال ليس مجرد سلسلة من الأحداث السياسية والعسكرية، بل إعلان مدوٍ عن فشل مشروع الهيمنة الإماراتي–الإسرائيلي في قلب القرن الإفريقي وخليج عدن. لقد كشف الانكشاف الأخير هشاشة كل الحسابات الخبيثة، وأثبت أن المشاريع المبنية على خيانة السيادة الوطنية وشراء الولاءات المحلية لا يمكن أن تصمد أمام إرادة الشعوب وصمود القوى الوطنية.

الدرس الاستراتيجي صار واضحًا: لا قوة خارجية تستطيع تحويل الموانئ والجزر إلى أدوات ضغط واحتكار دون أن تواجه رد فعل حازم وعقابًا مباشرًا على الأرض. الإمارات وإسرائيل وجدت نفسها أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها، مفادها أن السيطرة بالقوة أو المكر السياسي مؤقتة، وأن أي قاعدة أو اتفاقية تُبنى على حساب أمن الشعوب المستهدفة ستتحول عاجلًا أم آجلًا إلى عبء ثقيل ومصدر فشل.

اليمن والصومال أرسلتا رسالة واضحة لكل من يحلم بالهيمنة في المنطقة: السيادة ليست للتفاوض، والممرات الاستراتيجية ليست للبيع، وأي مشروع عدواني خارج الحدود الوطنية ينهار أمام صخرة المقاومة والإرادة.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن انهيار المشروع الإماراتي–الإسرائيلي في هذه الجغرافيا يمثل بداية النهاية لطموحات الهيمنة الخارجية في القرن الإفريقي وخليج عدن، وأن أي إعادة ترتيب للقوى في المنطقة سيصنعه اليوم أصحاب الأرض لا أدوات خارجية مستأجرة.

باختصار.. انهيار المشروع الإماراتي–الإسرائيلي في اليمن والصومال يؤكد حقيقة واحدة: لا سيادة تُباع، ولا ممر استراتيجي يُحتكر بالقوة. كل قاعدة وكل اتفاقية مبنية على خيانة الأرض ستتحول عاجلًا إلى عبء ثقيل وفشل مدوٍ، ورسالة لكل من يحلم بالهيمنة: أصحاب الأرض هم من يكتبون تاريخها، لا أدوات مستأجرة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com