“تقرير“| من وهم “الشرعية“ إلى صراع الادوات: كيف فشل التحالف في إدارة الجنوب اليمني..!
أبين اليوم – تقارير
تشهد المحافظات الجنوبية اليمنية مرحلة مفصلية تعكس بوضوح حجم الارتباك والتصدع داخل معسكر التحالف السعودي الإماراتي، بعد سنوات من إدارة المشهد عبر أدوات محلية متصارعة، جرى تصنيعها وتمويلها لخدمة مشروع الاحتلال تحت عناوين مضللة، أبرزها “إعادة الشرعية” و”الاستقرار”.
ومع توالي الأحداث الأخيرة، تتكشف حقيقة هذا المشروع بوصفه مشروع تفكيك ممنهج للدولة اليمنية، وإغراق الجنوب في دوامة صراعات داخلية تُدار عن بُعد، حيث تبرز التطورات الأخيرة التي يشهدها ما يُسمى بـ”المجلس الانتقالي الجنوبي” كعنوان صارخ لانهيار إحدى أهم أدوات الإمارات، بعد تعرضه لضغوط مباشرة واستهداف سياسي وأمني من قبل السعودية في خطوة تعكس تحوّلًا واضحًا في إدارة الصراع داخل المحافظات الجنوبية.
هذا التحول لا يمكن فصله عن صراع النفوذ بين أدوات العدوان ذاتها، ولا عن الفشل الذريع للتحالف في إنتاج نموذج حكم مستقر أو مقبول شعبيًا في الجنوب.
في المقابل، يفرض المشهد المقارن نفسه بقوة، إذ تظهر المحافظات الحرة، رغم الحصار والعدوان المستمر، بمستوى أعلى من الاستقرار الأمني والتماسك الاجتماعي، وقدرة مؤسساتية متنامية، سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري، لتفضح هذه المقارنة زيف السردية التي حاول التحالف تسويقها لعقد من الزمن، وتؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا في “الشرعية”، بل في مشروع الهيمنة ذاته.
في حديث خاص لموقع الخنادق، تقدم العديد من الشخصيات السياسية والإعلامية الجنوبية قراءة حول طبيعة ما يجري في المحافظات الجنوبية وتضع الأحداث في سياقها الحقيقي: صراع أدوات، وانكشاف رهانات، وانهيار مشروع احتلال لم ينجح إلا في إنتاج الفوضى والبؤس.
انهيار المجلس الانتقالي وتحولات إدارة الصراع في الجنوب:
حيث ينطلق محافظ عدن في حكومة صنعاء طارق سلام في تصريحاته من توصيف واضح لطبيعة الأزمة التي تعيشها مدينة عدن وبقية المحافظات الجنوبية، معتبرًا أن التدهور المعيشي والخدمي يدار كسياسة ممنهجة تستخدمها قوى الاحتلال السعودي الإماراتي لإخضاع السكان وتركعيهم.
ويشير سلام إلى أن قطع الكهرباء والمياه، وانهيار العملة، وغياب الرواتب، تتحول إلى أدوات ضغط قذرة تهدف إلى كسر إرادة المجتمع، وصرف الأنظار عن عمليات نهب الثروات النفطية وتحويل عائداتها إلى حسابات قادة المرتزقة في الخارج.
ووفقاً لسلام فأن انهيار الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية يكشف طبيعة الصراع القائم في الجنوب، حيث تُوظَّف المعاناة المعيشية اليومية كأداة ضغط سياسي ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الولاءات، ودفع المكونات المحلية نحو القبول بترتيبات مفروضة من الخارج تخدم مشاريع الهيمنة ولا تعبّر عن مصالح أبناء المنطقة.
– من إدارة الفوضى إلى تصفية الأدوات:
انطلاقًا من هذا الواقع، يمكن فهم ما يتعرض له المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه نتيجة طبيعية لانتهاء صلاحيته الوظيفية، فالسعودية، التي تعيد اليوم ترتيب أوراقها في الجنوب، تتجه إلى تحجيم الأدوات الإماراتية السابقة، واستبدالها بتشكيلات أكثر طواعية وأقل كلفة سياسية، فإعلان حل المجلس الانتقالي، أو دفعه إلى الذوبان داخل كيانات هلامية، يعكس انتقال العدوان من مرحلة “إدارة الفوضى” إلى مرحلة “تصفية الأدوات”.
ويعكس هذا التحول بوضوح صراع الأدوات التي تزعم شرعيتها في إدارة البلد فالواقع أثبت بما لا يدعو مجالاً للشك أن ما يجري بين الأدوات صراع مصالح بين غرف عمليات خارجية، تستخدم الشعارات المحلية كغطاء مرحلي.
في هذا السياق، تأتي مواقف الدكتور محمد النعماني لتكمل الصورة، حيث يضع الدعوات السعودية للحوار الجنوبي – الجنوبي في إطارها الحقيقي كدعوات احتواء لا تهدف إلى تمكين الجنوبيين، بل إلى إخضاعهم لوصاية مباشرة، تمهيدًا لفرض تسويات تخدم الرياض.
ويؤكد النعماني أن السعودية ليست طرفًا محايدًا، بل شريك رئيس في العدوان منذ 2015، ومسؤولة عن إفشال أي مسار سلام حقيقي، لافتًا إلى أن رفض المشاركة في حوار الرياض ينبع من قناعة راسخة بأن أي حوار يُدار تحت سقف الاحتلال لا يمكن أن ينتج حلًا عادلًا، بل يعيد تدوير الأزمة، ويشرعن واقع الاحتلال بأدوات محلية.
ويفتح الرفض الجنوبي للوصاية الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة التحالفات التي تُدار في الجنوب، وهو ما يسلط عليه الناشط السياسي علي الكردي الضوء، حين يربط بين أدوات العدوان المحلية والمشاريع الإقليمية والدولية الأوسع.
ويذهب الكردي إلى توصيف أكثر جذرية، معتبرًا أن أحزابًا وقوى محلية، من حزب الإصلاح إلى جماعة طارق صالح والمجلس الانتقالي، تتحول إلى خطوط دفاع متقدمة عن مشاريع خارجية، تصل بحسب توصيفه إلى مستوى التعاون المباشر مع الكيان الصهيوني.
ويربط الكردي بين الصراع في الجنوب ومحاولات السيطرة على البحر الأحمر وباب المندب وسقطرى، في إطار مشروع يستهدف انتزاع السيادة اليمنية وتفكيك البلاد إلى دويلات متناحرة.
في المحصلة، تُظهر هذه المواقف والتحليلات أن ما تشهده المحافظات الجنوبية المحتلة يعد تجلياً واضحاً لفشل استراتيجي شامل لمشروع العدوان على اليمن، فبعد عقد من العدوان الظالم على اليمن، أخفق تحالف العدوان في تقديم أي نموذج مستقر أو قابل للحياة، وأسهم بدلًا من ذلك في إنتاج واقع يتسم بالفوضى والانهيار، ودفع أدواته المحلية إلى صراعات داخلية انتهت بانكشافها وسقوط رهاناتها.
في المقابل، تبرز المحافظات الحرة كنموذج مغاير، يؤكد أن الاستقلال السياسي يشكل المدخل الأساسي لأي استقرار اقتصادي أو أمني وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري أمام أبناء الجنوب حول وجهة البوصلة، ويضعهم أمام لحظة مفصلية تستدعي تجاوز مشاريع الوصاية والارتهان، والانحياز إلى خيار السيادة الوطنية.
ويظل خيار الكرامة حاضرًا بوصفه المسار الوحيد القادر على إنهاء هذه المرحلة، فيما تواصل إرادة الشعب اليمني، شمالًا وجنوبًا، فرض معادلاتها رغم حجم التحديات ومع كل سقوط جديد لإحدى أدوات العدوان، يقترب المشهد من لحظة الانكشاف الكامل، وتتعمق القناعة بأن التحرر الحقيقي لا تصنعه التسويات المفروضة ولا يُمنح من الخارج، إنما يُنتزع بإرادة شعبية مستقلة، قادرة على إسقاط كل أشكال الاحتلال وأقنعته.
الخلاصة:
ما يجري في الجنوب لم يعد مجرد خلاف بين أطراف محلية، بل لحظة انكشاف لمشروع إقليمي بُني على إدارة الفوضى وتدوير الأدوات.
انتقال السعودية إلى استهداف أدوات الإمارات يعكس صراعًا على النفوذ أكثر منه حرصًا على الاستقرار، ويؤكد أن هذه الأدوات لم تكن يومًا شريكًا حقيقيًا، بل وظائف مؤقتة انتهى دورها.
في المقابل، تبرز المقارنة مع المحافظات الحرة كعامل حاسم في إعادة تشكيل الوعي الجنوبي، حيث يتضح أن غياب الاستقرار ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة للوصاية والهيمنة.
الجنوب اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في الارتهان لمشاريع خارجية تتبدل أدواتها، أو الانحياز إلى خيار السيادة الوطنية بوصفه الطريق الوحيد لإنهاء دوامة الفوضى وبناء استقرار حقيقي نابع من إرادة الشعب، لا من غرف العمليات الخارجية.
المصدر: الخناق