نيويورك تايمز: الحرب على إيران تعيد تشكيل العالم وتُبرز قوة عالمية رابعة..!

5٬897

أبين اليوم – خاص 

نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً للباحث في العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، روبرت إي. بيب، اعتبر فيه أن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران هذا العام ساهمت في صعود طهران كقوة عالمية رابعة.

ويفند الكاتب التصور الجيوسياسي السائد الذي يرى النظام الدولي قائماً على ثلاث قوى رئيسية هي الولايات المتحدة والصين وروسيا، مشيراً إلى أن هذا التصور يعتمد على معيارين تقليديين للقوة: الاقتصاد والقدرة العسكرية، وهو ما لم يعد كافياً في السياق الراهن.

وبحسب المقال، فإن إيران لا تضاهي تلك القوى من حيث الحجم الاقتصادي أو القوة العسكرية، إلا أنها تمتلك ورقة استراتيجية حاسمة تتمثل في سيطرتها على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، والذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

ويشير الكاتب إلى أن الحملة العسكرية المشتركة دفعت إيران إلى فرض نوع من “الحصار الانتقائي” على المضيق، دون إغلاقه بالكامل، حيث لا تزال الملاحة قائمة شكلياً، لكن حركة السفن تراجعت بشكل حاد نتيجة انسحاب شركات التأمين أو رفع تكاليف التغطية بشكل كبير، ما جعل المخاطرة غير مقبولة تجارياً.

ويؤكد أن هذا النموذج من السيطرة –القائم على التهديد المتقطع بدل الإغلاق الكامل– كافٍ لإحداث اضطراب عميق في سلاسل الإمداد العالمية، إذ إن الاقتصادات الحديثة تحتاج إلى تدفق مستقر ومتوقع للطاقة، وليس مجرد توفرها.

كما يطرح المقال سيناريو تصاعدياً، يتمثل في تشكل “كارتل طاقي” غير معلن، تسيطر فيه إيران على نحو 20% من النفط العالمي، وروسيا على 11%، بينما تستوعب الصين جزءاً كبيراً من هذا الإنتاج، ما قد يحرم الغرب من نحو 30% من الإمدادات، ويعيد توجيه موازين القوة العالمية.

ويرى الكاتب أن الولايات المتحدة تواجه خياراً استراتيجياً معقداً: إما الانخراط في جهود طويلة ومكلفة لإعادة السيطرة على المضيق، أو التكيف مع نظام طاقة عالمي جديد لا تملك فيه الهيمنة الكاملة.

وفي هذا السياق، نقل المقال عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قوله إن فتح مضيق هرمز بالقوة “غير واقعي”، في إشارة إلى أن ضمان تدفق الطاقة بات يتطلب تنسيقاً مع إيران نفسها.

كما يحذر الكاتب من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بشكل جذري، حيث تصبح الطاقة عاملاً مركزياً في رسم السياسات، وتتصاعد الضغوط التضخمية والاختلالات الاقتصادية، خصوصاً في آسيا التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من الخليج.

تحليل:

الطرح الذي يقدمه بيب لا يركز على “قوة إيران التقليدية”، بل على ما يمكن تسميته “قوة الاختناق الجيو-اقتصادي”. الفكرة الجوهرية هنا أن السيطرة على عقدة استراتيجية مثل مضيق هرمز تمنح طهران قدرة غير متماثلة على التأثير في النظام العالمي، دون الحاجة إلى التفوق العسكري الشامل.

ما يميز هذا التحليل هو نقله لمفهوم القوة من القدرة على التدمير إلى القدرة على التعطيل. إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق، بل يكفيها رفع “درجة عدم اليقين” إلى مستوى يجعل السوق نفسه يعطل التدفقات.

لكن هذا الطرح، رغم عمقه، ينطوي على افتراضات قابلة للنقاش: يفترض استمرار القدرة الإيرانية على التحكم بالمضيق دون ردع فعال، وهو أمر غير مضمون على المدى الطويل.

كما يفترض تقارباً تلقائياً بين إيران وروسيا والصين، رغم وجود تناقضات بنيوية بين هذه الأطراف.

بمعنى أدق، نحن أمام سيناريو تحول محتمل وليس حتمياً: إذا استمرت حالة “اللايقين الملاحي” في هرمز لفترة طويلة، فقد نشهد فعلاً إعادة تشكيل تدريجية للنظام العالمي للطاقة. أما إذا نجحت الولايات المتحدة في استعادة موثوقية الممر، فسيبقى هذا الطرح ضمن إطار “التحذير الاستشرافي” أكثر من كونه واقعاً مستقراً.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com