“مقالات“| “الدب” الروسي والخديعة الأمريكية..!
أبين اليوم – خاص
بقلم/ محمد الشينه:
يا جماعة أستطيع القول – وعن قناعة كاملة ترسخت لدي مؤخراً – أن الثعلب “ترمب” استطاع أن يطوق بوتين بمراوغات ومساومات ذات مكاسب ضئيلة وقصيرة المدى وانطلت على “بو طين” حِيَلها.
بالمفتوح.. بدأ الموضوع بسوريا مقابل أوكرانيا.
فبعد أن فاز ترمب بولاية جديدة -وقبل إعلان تنصيبه- تواصل بطريقته الخاصة مع موسكو وقال لها بصريح العبارة: “تخلي عن بشار الأسد وأضمن لك بقاء قواعدك في سوريا.. لأننا فقط نريد تغيير هذا النظام وليس لدينا مشكلة في بقاء قواعدك على الأراضي السورية.. فما يهمنا هو إزالة نظام الأسد لمصلحة حليفتنا إسرائيل”
بدا الموضوع مقبولاً ومنطقياً للروس لكنه لم يكن مقنعاً بالشكل الكافي.
فكان المقابل الثاني – وهو عنصر الإغراء الأكبر من ترمب لبوتين- (قضية أوكرانيا) وبالمفتوح والصريح أيضاً قال ترمب لبوتين: “ولا يهمك ياعم بوتين أوكرانيا دي ما تلزمنيش, وسأكون معك مرناً بخصوصها إلى أقصى حد في كل تفاصيل قضيتها حدودياً، تسليحياً، سياسياً فهي لا تعنيني ولا تهمني بقدر ما تهم أوروبا وحلف الناتو الذين أكرهم بشدة ولا تهمني مصالحهم”.
هنا سخسخ الدب الروسي وساح ع الآخر.. وبدأ يرى بالفعل أن العدو الحقيقي له الآن ليس أمريكا وإنما أوروبا وحلف الناتو.
فبدأ دوره في المنطقة يفتر ويتراخى ويتبهطل.. بينما الثعلب المكار ترمب اشتغل على الجبهات الأخرى التي كانت تشكل محوراً متعاضداً مع روسيا في مواجهة القطب الأمريكي الأوحد.. مثل: فنزويلا.. حيث حصل ما حصل فيها والروسي “مطنش ومتساهل” .. وبعدها كوبا التي باتت قاب قوسين أو أدنى من انقضاض أمريكا عليها وغزوها في أي لحظة.. وموسكو ولا كأنها شايفة..!
وآخرها إيرااااان ذات الموقع الجغرافي الحساس بالنسبة لروسيا.. ورغم ذلك بقي الدور الروسي بذاك المستوى من البرود الذي تعاملت به مع قضايا فنزويلا وكوبا وسوريا..
أليس الأمر غريباً ومريباً أيها السادة ?!
قد يقول البعض أن هناك دعماً استخباراتياً خفياً وسرياً من موسكو لطهران بإسنادها معلوماتياً وتقنياً في حربها ضد أمريكا.. إلا أن هذا لا يكفي أبداً أبداً أبداً – هذا إذا اعتبرنا أن هذه المعلومة صحيحة أصلاً- فالعدوان على إيران يُفترض أن يعتبر قضية ذات أهمية قصوى تدق ناقوس الخطر الإستراتيجي بالنسبة للروس ليضغطوا بثقلهم على مختلف الأصعدة لإيقاف هذا العدوان وإسناد الدولة الإيرانية ومنع انهيارها.
فمن كان يتصور في الحسبان أصلاً أن روسيا ستسكت – بهذا الشكل – على أي اعتداء أمريكي على إيران فضلاً عن محاولة غزوها كما يحدث الآن ?!
لا.. يا سادة.. واضح جداً أن الدب الروسي شرب “شاي بالياسمين” من يد ترمب مُرجان (مغريات أمريكية من تحت الطاولة لموسكو) بنفس أسلوب الإغراء الذي حصل في قضية “سوريا” ..
وخلاصة هذا الإغراء الأمريكي: “ياموسكو مافيش داعي تتمسكي بهذا النظام الثيوقراطي (الديني المتشدد) في إيران.. خلينا نسقطه ونجيب نظام يكون معتدل معانا ومعاكم ويحافظ على مصالحنا ومصالحكم في المنطقة فنحن فقط نريد التخلص من هذا النظام لأنه مهدد لحليفتنا إسرائيل ولأنه عامل فوضى في المنطقة من خلال دعمه لما يسمى (حركات المقاومة) اللي عاملة مشاكل في لبنان والعراق واليمن.. فسنوجه له ضربات عسكرية جوية وسنسقطه من الداخل”.
وهذا هو السيناريو المبدئي ولكن في حال تعصلجت المسألة أكثر وما أسقطناش هذا النظام من الداخل -كما هو حاصل إلى الآن- فمن الممكن أن نوسع مخططات الحرب لتشمل التدخل البري لتفتيت هذا البلد وتغيير خريطته.. وانتي ياروسيا مش حننساكي من الكعكة الجديدة ولا يهمك.. إحنا دول عظمى وبإمكاننا أن نصيغ اتفاقية “سايكس بيكو” جديدة لإعادة تقسيم المنطقة.
مع وعود تطمينية للروس حول قزوين ومناطق جغرافية حساسة بالنسبة لهم .
هذا برأيي ما هو حاصل لروسيا منذ تولي ترمب ولايته الجديدة.. استطاع أن يقرطسها في “جيبته الصغيرة” وكان عامل الإغراء الأمريكي الأول للروس -كما أسلفت- هو (أوكرانيا) التي تعتبر وتراً حساساً جداً بالنسبة لموسكو بينما يرى ترمب أنها لا تعنيه في شيء.
وبعد ذلك بدأت أواصر ثقة خفية تتشكل بين الجانبين خلقت حالة تفاهمات مشتركة حول الكثير من القضايا بعيداً عن أوروبا والناتو.
لكن هذا برأيي يعكس قصر نظر سياسي روسي عجيب غريب في مسائل يفترض أنها قضايا استراتيجية حساسة بالنسبة لروسيا باعتبارها دولة عظمى، الأمر الذي يجعلني أصف ذلك بحالة غباء استراتيجي طغى مؤخراً على الكرملين وعلى سياساته حيال المنطقة والعالم .
كيف للروس أن يأمنوا جانب الأمريكان لمجرد أن سادت حالة مؤقتة من التماهي والتفاهمات مع الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة ترمب ?!
ألا يفكر “بوتين” أنه وبمجرد رحيل ترمب من منصبه وصعود إدارة جديدة قد ينقلب كل شيء وحينها ستكون روسيا قد خسرت الكثير والكثير في المنطقة وفي العالم من الحلفاء والدول التي كانت تشكل معها محوراً عالمياً قوياً .
صحيح إنك “دب” يا بوتين..
وصدق تراثنا الشعبي العربي حينما ضرب المثل بالغباء عن الشخص الغبي بتشبيهه بــ”الدب”.