“مقالات“| الأرصدة الخليجية أساس ازدهار الاقتصاد الغربي..!

5٬884

أبين اليوم – خاص 

بقلم / فيصل الخليفي:

تثير تجربة التاجر الكويتي التي تكررت مع كثيرين في أروقة البنوك السويسرية والأوروبية تساؤلاً جوهرياً حول مفهوم “الملكية السيادية” للأموال. فخلف بريق الأرقام والفوائد، تقبع حقيقة اقتصادية مرة: المال الذي يدخل المنظومة المصرفية الغربية يصبح جزءاً من أمنها القومي، وخروجه منها قد يُعتبر تهديداً لاستقرارها.

1. فخ “السيولة المدارة”: لماذا لا تستطيع سحب مالك؟:

ما واجهه التاجر بسحب 10 ملايين من أصل 100 مليون هو ما يُعرف بـ “المقاومة المصرفية”. البنوك الكبرى لا تحتفظ بالأموال في خزائن حديدية، بل تضخها فوراً في عروق اقتصادها (قروض، سندات، استثمارات). سحب مبالغ ضخمة فجأة يؤدي لـ “فجوة سيولة”، لذا تبتكر هذه البنوك حلولاً التفافية مثل: “نحن نستثمر لك ونضمن الفوائد”، وهي في الحقيقة وسيلة لإبقاء “أصل المال” كوقود لمحركاتهم الاقتصادية، بينما لا يحصل صاحب المال إلا على “الفتات” الإجرائي.

2. المصانع الأوروبية.. شركاء بلا سيادة:

دخول المستثمرين الخليجيين كشركاء في كبرى المصانع والشركات الأوروبية (مثل قطاع السيارات والطيران) غالباً ما يكون محكوماً باتفاقيات “المساهمة الاستراتيجية”.

هذه الاتفاقيات تمنح المستثمر العربي مقعداً في مجلس الإدارة وفوائد سنوية، لكنها تضع قيوداً صارمة على “تسييل الحصص” أو سحب رؤوس الأموال بشكل مفاجئ. الغرب يرحب بالمال العربي كـ “رأسمال صامت” يدعم النمو، لكنه يرفض تحوله إلى “قوة فاعلة” يمكن نقلها لبناء نهضة صناعية في الداخل العربي.

3. سلاح “الامتثال” و”البيروقراطية السياسية”:

منذ مطلع الألفية، أصبحت القوانين الدولية (مثل مكافحة غسيل الأموال) تُستخدم أحياناً كـ “تجميد ناعم”. أي محاولة لنقل أرصدة ضخمة خارج المنظومة الغربية تُجابه بسلسلة لا تنتهي من التدقيق والتحقيق حول مصدر الأموال ووجهتها.

هذا التعطيل المتعمد يهدف لضمان بقاء الثروة العربية داخل الدورة المالية الغربية لأطول فترة ممكنة، مما يحرم الدول العربية من استثمار ثرواتها في مشاريع تنموية كبرى ومستقلة.

4. الجيوسياسة: المال كأداة ضغط:

لا ينظر الغرب للأموال الخليجية كأرقام مجردة، بل كـ”ضمانة للسلوك السياسي”. بقاء هذه الثروات تحت ولايتهم القانونية يمنحهم ورقة ضغط قوية؛ فالتلويح بالتجميد أو فرض القيود يظل سيفاً مسلطاً يمنع أي تحرك اقتصادي قد يهدد المصالح الغربية أو يؤدي لاستقلال مالي كامل.

الخلاصة:

النمو الاقتصادي الغربي يعتمد بشكل عضوي على “إعادة تدوير البترودولار”. والرفض المستمر لتمكين العرب من سحب ثرواتهم أو استثمارها بحرية كاملة ليس مجرد إجراء بنكي، بل هو استراتيجية لمنع نشوء قطب اقتصادي عربي مستقل وقوي. الأموال العربية في الخارج هي “رهائن مذهبة”؛ تدر أرباحاً ورقية، لكنها تفتقد للروح السيادية التي تسمح ببناء مستقبل المنطقة بأيدي أبنائها.

باختصار، الاقتصاد الغربي بُني بجزء كبير منه على “إعادة تدوير البترودولار”، وهو حريص على أن تظل هذه الدورة مغلقة لصالحه.

– سياسي وقانوني يمني

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com