“تقرير“| من الحرب إلى الحصار: واشنطن تنقل معركتها مع إيران إلى “اقتصاد هرمز” وسط تحذيرات من صدمة عالمية..!
أبين اليوم – تقارير
لم يعد الصراع بين واشنطن وطهران يُقاس بخرائط السيطرة العسكرية أو عدد الضربات الجوية، بل بات يُدار على مستوى أعمق وأكثر تعقيداً: مستوى التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي. فبعد أن أثبتت المواجهة المباشرة حدودها، انتقل الصراع إلى نقطة اختناق استراتيجية تتمثل في مضيق هرمز، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الطاقة، وتتحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط تعادل في تأثيرها الجيوش.
في هذا التحول، لا تسعى إدارة دونالد ترامب إلى تحقيق نصر تقليدي بقدر ما تحاول إعادة صياغة قواعد الاشتباك عبر “تسليح الاقتصاد”، أي نقل مركز الثقل من الميدان إلى السوق، ومن الجبهة إلى سلاسل الإمداد العالمية. غير أن هذه المقاربة تفتح معضلة بنيوية: فكلما ضاق الخناق على إيران، اتسعت دائرة التأثير لتشمل الاقتصاد الدولي، ما يجعل أدوات الضغط نفسها عرضة للارتداد.
وعليه، فإن ما يجري ليس مجرد تصعيد ظرفي، بل إعادة تعريف لطبيعة الصراع في الشرق الأوسط، حيث تتلاشى الحدود بين الحرب والسلام، ويتحول الحصار إلى شكل من أشكال المواجهة المفتوحة، تُدار بأدوات مالية وتجارية، لكنها لا تقل خطورة عن الصواريخ والبوارج.
وفي هذا السياق، كتبت مجلة “فورين بوليسي” أن ترامب “أدرك أن أي هجوم بري أو تصعيد عسكري قد يدخل إدارته في مستنقع، فتحول إلى عملية الغضب الاقتصادي الملحمي”، في إشارة إلى الحصار البحري الذي أعلنته القيادة المركزية الأميركية على الموانئ الإيرانية.
وأضافت أن البيت الأبيض أدرك أخيراً أن “الحروب في الشرق الأوسط سهلة البدء ولكن يصعب إيقافها”.
– صدمة مالية عالمية أشد فتكاً من القتال:
من جانبها، حذرت صحيفة “وول ستريت جورنال” من أن هذا الحصار “يحول الصدام الإقليمي إلى صدمة مالية عالمية قد تكون أشدّ فتكاً من القتال نفسه”. وذكرت الصحيفة أنه “يطيل أمد أزمة السلع الأساسية ويبث قدراً كبيراً من عدم اليقين في الاقتصاد العالمي”.
وأضافت أن أسعار النفط قد تشهد مزيداً من الارتفاعات القياسية، مما يضع مزيداً من الضغط على المجتمع الدولي، وليس فقط على إيران.
– معضلة ترامب حقيقية:
في تحليلها، قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن ترامب “يحاول عبر حصار هرمز خنق شريان الحياة لإيران، لكن الإيرانيين يراهنون على أن تحمله للألم السياسي محدود”. وأضافت أن واشنطن تواجه معضلة حقيقية، فطهران أثبتت قدرتها على الصمود رغم كل الضغوط، وتدرك أن أي تصعيد أميركي جديد سيكون له تكاليف سياسية باهظة على إدارة ترامب، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
– نموذج فنزويلا يفشل في إيران:
وكشفت صحيفة “فايننشال تايمز” أن ترامب يطبق عبر حصار هرمز “نموذج فنزويلا” على إيران، وهو النموذج الذي فشل في إسقاط نظام نيكولاس مادورو رغم كل الضغوط.
واعتبرت الصحيفة أن هذا الإجراء “يظهر بوضوح مدى إحباطه وشعوره بنفاد الخيارات”، محذرة من أن إغلاق المضيق “سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط أكثر وسيضع مزيداً من ضغط المجتمع الدولي على الولايات المتحدة، وليس فقط على إيران”.
– واشنطن لا تستطيع إخضاع إيران:
أكدت مجلة “فورين أفيرز” أن “الحرب أثبتت أن الولايات المتحدة لا تستطيع إخضاع إيران، لذا ينبغي التوصل إلى اتفاق فعال عبر المفاوضات”.
وأشارت إلى أنه “يمكن تدمير المنشآت النووية الإيرانية عبر عمل عسكري، لكن لا يمكن محو المعرفة من خلال القصف”.
واتفقت معها مؤسسة “شاتهام هاوس” بالقول إن “جهود واشنطن لعرض مكاسبها التكتيكية ضد إيران على أنها نجاحات استراتيجية تشير إلى رغبة في خفض التصعيد”، مضيفة أن “إنهاء الحرب ضد إيران يخدم أجندة ترامب الداخلية، فيما يلحق تجددها ضرراً اقتصادياً على أبواب انتخابات التجديد النصفي”.
وعليه يمكن القول:
التحول من المواجهة العسكرية إلى “حصار هرمز” يعكس انتقال الصراع من المجال العسكري إلى الجيو-اقتصادي، حيث لم يعد الهدف تحقيق نصر ميداني بقدر ما هو إعادة تشكيل بيئة الضغط الاستراتيجي.
غير أن هذا الخيار يحمل مفارقة حادة: فالمضيق لا يمثل شرياناً لإيران فقط، بل للاقتصاد العالمي بأسره، ما يجعل أي محاولة لخنقه سلاحاً ذا حدين.
المعضلة الجوهرية لواشنطن تكمن في أن أدوات الضغط الاقتصادي، رغم قوتها، لم تعد كافية لإحداث انهيار سياسي في أنظمة تمتلك خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات، كما هو الحال في إيران.
في المقابل، فإن رفع سقف التصعيد في ممر حيوي مثل هرمز يهدد بإعادة توزيع كلفة الصراع على المستوى الدولي، ما قد يحول الولايات المتحدة من طرف ضاغط إلى طرف متحمل لارتدادات الأزمة.
بمعنى أدق، الاستراتيجية الحالية تعكس “إدارة أزمة” أكثر من كونها “حسم صراع”، حيث تسعى واشنطن لشراء الوقت وتقليل الخسائر السياسية داخلياً، بينما تراهن طهران على استنزاف هذا الزمن.
وفي ظل هذا التوازن الهش، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الضغط المتبادل دون انفجار شامل، لكن مع تصاعد تدريجي في كلفة الاقتصاد العالمي.