“الرياض“| من الإقامة الجبرية إلى قبر مجهول.. لماذا منعت السلطات السعودية دفن الرئيس هادي في مسقط رأسه بأبين..!
أبين اليوم – خاص
في ظل تصاعد الغموض المحيط بوفاة الرئيس اليمني الأسبق عبد ربه منصور هادي في العاصمة السعودية الرياض عن عمر ناهز 81 عاماً، كشف الصحفي الجنوبي صالح أبو عوذل عن أسباب قالت إنها تقف خلف رفض السلطات السعودية نقل جثمان هادي إلى اليمن لدفنه في مسقط رأسه بمحافظة أبين أو في مدينة عدن.
وأوضح أبو عوذل، في منشور على منصة X، أن الرياض لن تسمح بنقل الجثمان إلى الداخل اليمني، مرجعاً ذلك إلى مخاوف من إخضاع الجثة للتشريح وكشف الأسباب الحقيقية للوفاة، وفق تعبيره.
وأشار إلى أن مراسم الدفن ستقتصر على العاصمة السعودية، متوقعاً أن يتم لاحقاً إخفاء مكان القبر، في خطوة وصفها بأنها تعزز الشكوك حول ملابسات الوفاة.
وتأتي هذه التسريبات بالتزامن مع إعلان رسمي عن موعد دفن هادي في الرياض، وهو ما أثار موجة واسعة من التكهنات، خصوصاً مع الحديث المتكرر عن ظروف العزل التي عاشها الرئيس الأسبق منذ عام 2022.
وبحسب مصادر متعددة، فقد خضع هادي خلال السنوات الأخيرة لإقامة جبرية غير معلنة، مع فرض قيود صارمة على الزيارات ووسائل التواصل، إضافة إلى منعه في أوقات سابقة من السفر إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج.
تحليل:
في المشهد الطبيعي للأمور، كان ينبغي أن يكون موت رئيس سابق خبراً عادياً يطوى في سجلات التاريخ، لكن ما جرى مع عبد ربه منصور هادي يكشف أن الموت في ظل الوصاية الإقليمية ليس نهاية المأساة، بل استمرار لها بأشكال أكثر بشاعة. فالرجل الذي تحوّل في سنواته الأخيرة إلى أسير فندقي فاخر، تحوّل اليوم إلى جثمان محتجز، أسيرٍ حتى بعد مفارقة الروح.
امتناع الرياض عن تسليم الجثمان ليس مجرد إجراء لوجستي، ولا خوفاً من “تشريح طبي” بالمعنى الحرفي فحسب؛ الخوف الحقيقي هو من “تشريح سياسي” سيمتد من جسد هادي الهامدة إلى جسد العلاقة المريضة بين الرياض وصنائعها.
فكل قطرة دم، وكل خلية في ذلك الجسد تحمل شهادة صامتة على سنوات من العزل والتهميش والإذلال، شهادة قد تتحول إلى لائحة اتهام أخلاقية وسياسية لا تستطيع الرياض تحمل تداعياتها لو نُقل الجثمان إلى الداخل اليمني حيث الغضب المكبوت والذاكرة الحية.
اختيار إخفاء القبر ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل هو تتويج لاستراتيجية الإخفاء الكامل: أخفوا الرجل عن الأنظار حياً، وها هم يخفونه ميتاً. إنها رسالة دموية باردة إلى كل من يضع ثقته في هذه التحالفات: نحن لا نمنحكم السلطة، بل نقرضكم إياها، وحين نستردها نسترد معها كل شيء، حتى عظامكم بعد الموت.
في النهاية، جثمان هادي ليس مجرد رفات إنسان، بل وثيقة تاريخية خطيرة تُدفن حيةً خشية أن تنطق، وقبره المخفي في الرياض ليس مثوى أخيراً، بل هو شاهد قبر على عصر كامل من التوظيف السياسي الذي ينتهي بأدواته إلى مزابل التاريخ، أو إلى قبور لا يُعرف لها مكان.