“تقرير“| إذا عادت الحرب مع الرياض.. ما أوراق القوة التي تراهن عليها صنعاء في المواجهة المقبلة..!
أبين اليوم – تقارير
تتجه الأنظار مجدداً نحو مستقبل العلاقة بين صنعاء والرياض في ظل تصاعد الخطاب السياسي والعسكري الصادر عن قيادة صنعاء خلال الأيام الأخيرة، والذي حمل رسائل واضحة بشأن الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها “كسر الحصار وإنهاء الاحتلال واستعادة الثروات والحقوق الوطنية”، في حال استمرت الملفات العالقة مع السعودية دون حلول ملموسة، خصوصاً تلك المرتبطة بالجانب الاقتصادي والموارد السيادية.
ويأتي هذا التوجه في ظل إجماع سياسي وعسكري وشعبي داخل مناطق سيطرة صنعاء، ما يمنحه بعداً يتجاوز حدود المواقف السياسية التقليدية ليقترب من مشروع متكامل يحظى بغطاء داخلي واسع. ومع تزايد الحديث عن احتمالات عودة المواجهة، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة أوراق القوة التي تمتلكها صنعاء اليوم، ومدى اختلاف المشهد العسكري الراهن عن ظروف الحرب التي اندلعت عام 2015.
وخلافاً لما كان عليه الوضع في السنوات الأولى للحرب، تبدو البيئة الاستراتيجية الحالية أكثر تعقيداً بالنسبة لأي طرف يفكر بخوض مواجهة جديدة. فالفجوة الكبيرة التي كانت تفصل بين قدرات التحالف العسكرية وقدرات صنعاء تقلصت بصورة ملحوظة خلال السنوات الماضية، بعد أن تمكنت صنعاء من تطوير منظوماتها العسكرية في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة وأنظمة الاستطلاع والقيادة والسيطرة، إلى جانب اكتساب خبرات قتالية واسعة عبر سنوات طويلة من المواجهات المتواصلة.
وتعتبر منظومة الردع بعيدة المدى واحدة من أبرز عناصر القوة التي تراهن عليها صنعاء في المرحلة المقبلة. فمنذ إعلان الهدنة عام 2022 استمرت برامج التطوير العسكري بوتيرة متصاعدة، وظهرت منظومات جديدة من الصواريخ والطائرات المسيرة بعيدة المدى، إضافة إلى الإعلان عن أسلحة أكثر تطوراً من حيث السرعة والدقة والقدرة على المناورة. وقد عززت هذه التطورات من قدرة صنعاء على توسيع نطاق الردع ورفع كلفة أي مواجهة محتملة.
وفي حال اندلاع حرب جديدة، فإن العمق السعودي سيكون أحد أبرز مسارح المواجهة. فالقرب الجغرافي بين البلدين يمنح صنعاء ميزة عملياتية مهمة مقارنة بالمسافات الطويلة التي تعاملت معها خلال عملياتها السابقة في البحر الأحمر وما بعده. كما أن الخبرة المتراكمة في مجال الضربات بعيدة المدى تجعل المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية الحيوية في السعودية ضمن دائرة التأثير المحتمل، الأمر الذي يحول أي مواجهة قادمة إلى معركة تتجاوز حدود الجبهات التقليدية نحو أبعاد اقتصادية واستراتيجية أكثر حساسية.
وتبرز أيضاً ورقة الملاحة البحرية والجوية كإحدى أهم الأدوات التي اكتسبت صنعاء خبرة واسعة في إدارتها خلال السنوات الأخيرة. فقد أظهرت التجارب المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب قدرة صنعاء على توظيف موقع اليمن الجغرافي في التأثير على حركة الملاحة الدولية وفرض معادلات جديدة على خطوط النقل البحري. وتمنح هذه الخبرة صنعاء خيارات إضافية للضغط في حال توسعت دائرة المواجهة مع الرياض.
وعلى المستوى البري، شهدت القوات التابعة لصنعاء تحولاً ملحوظاً في طبيعة أدائها وقدراتها القتالية. فبعد أن كانت الأولوية خلال السنوات الأولى للحرب تتركز على الدفاع عن مناطق السيطرة، أصبحت تمتلك خبرة أكبر في إدارة العمليات الهجومية المركبة، إلى جانب تطوير وحدات الاستطلاع والطائرات المسيرة التكتيكية وأنظمة التوجيه والاستهداف. كما أن سنوات القتال الطويلة أسهمت في بناء كوادر ميدانية تمتلك خبرة واسعة في التعامل مع مختلف أنواع التضاريس والسيناريوهات القتالية.
ويضاف إلى ذلك عامل القوة البشرية، الذي يمثل أحد أهم عناصر التفوق في حروب الاستنزاف طويلة الأمد. فبرامج التعبئة والتدريب التي توسعت خلال السنوات الأخيرة وفرت احتياطياً بشرياً كبيراً يمنح صنعاء قدرة على تعويض الخسائر وإدارة أكثر من جبهة في وقت واحد، مع المحافظة على استمرارية العمليات لفترات طويلة نسبياً.
كما تحتفظ صنعاء بميزة أخرى تتمثل في المرونة التنظيمية والقدرة على التكيف مع المتغيرات الميدانية. فقد أفرزت سنوات الحرب خبرة واسعة في إدارة الأزمات وامتصاص الضربات وإعادة ترتيب القدرات العسكرية بسرعة، وهو ما يجعل تحقيق نتائج حاسمة ضدها أكثر صعوبة مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع.
وبناءً على مجمل هذه المعطيات، تبدو أي مواجهة محتملة مختلفة جذرياً عن الحرب التي بدأت قبل أكثر من عقد. فصنعاء تمتلك اليوم مزيجاً من أدوات الردع الاستراتيجية والقدرات العسكرية المتطورة والخبرات القتالية المتراكمة، إضافة إلى القوة البشرية والتنظيمية التي تمكنها من خوض صراع طويل الأمد إذا ما فرضت عليها المواجهة.
وعليه يمكن القول:
تكمن أهمية التحولات التي شهدتها صنعاء خلال السنوات الأخيرة في أنها لم تعد تعتمد على عامل واحد في معادلة الردع، بل بنت منظومة متعددة المستويات تجمع بين القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة والقوة البشرية والخبرة العملياتية والقدرة على إدارة الصراع في أكثر من مجال في الوقت نفسه.
وهذا التنوع في أدوات القوة يجعل أي حسابات عسكرية تقليدية أقل قدرة على توقع مسار المواجهة أو نتائجها.
وفي المقابل، تدرك السعودية أن أي حرب جديدة لن تكون نسخة مكررة من الصراع السابق، خصوصاً بعد التجارب التي أظهرت قابلية المنشآت الاقتصادية وخطوط النقل والطاقة للتأثر بالهجمات بعيدة المدى.
ولذلك فإن جزءاً كبيراً من التحركات السياسية والدبلوماسية الجارية حالياً يرتبط بمحاولة تجنب العودة إلى مربع المواجهة الشاملة، أو على الأقل تأخيرها قدر الإمكان.
كما أن التطورات الإقليمية والدولية الراهنة تضيف عوامل جديدة إلى المشهد، إذ إن أي تصعيد واسع لن يبقى محصوراً داخل الحدود اليمنية، بل ستكون له انعكاسات على أمن الطاقة والملاحة الدولية والتوازنات الإقليمية.
ولهذا تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى سباق بين مسارين؛ الأول يسعى لفرض تسوية تعالج الملفات العالقة، والثاني يتجه نحو إعادة تشكيل قواعد الاشتباك بالقوة. وفي حال فشل المسار السياسي، فإن أي مواجهة مقبلة قد تشهد نطاقاً أوسع وتأثيرات أعمق من كل جولات الصراع السابقة.