“تقرير خاص“| كيف أعادت الإمارات تشكيل اليمن عبر الموانئ والاتصالات والمعادن..!
أبين اليوم – خاص
لم يعد النفوذ الإماراتي في اليمن مجرد رواية سياسية تُتداول في الإعلام، بل تحوّل إلى واقع يومي يلمسه اليمنيون في مختلف القطاعات الحيوية التي تراجعت قدراتها لصالح مشاريع واستثمارات تقودها أبوظبي.
فبينما ترفع الإمارات لافتة “الدعم الإنساني والتنمية”، تتقدّم عملياً في تثبيت حضور اقتصادي وأمني واسع يمتد من السواحل والموانئ إلى الاتصالات والطاقة والمعادن، في ظل عجز حكومي واضح وارتهان متزايد لمنح السعودية والإمارات.
ورغم إعلان حكومة عدن عن حصولها على منح مالية سعودية وإماراتية لدعم الكهرباء والميزانية، فإن هذه التدفقات لم تغيّر من حقيقة الانهيار. فالسعودية—التي أودعت 90 مليون دولار فقط من أصل تعهد يبلغ 368 مليوناً—تتعامل مع الدعم باعتباره وسيلة لإبقاء الحكومة في حالة بقاء سياسي لا أكثر، وبما يضمن نفوذها عبر الفصائل الموالية لها.
أما الإمارات، فملياراتها في قطاع الكهرباء لم تلامس جوهر المشكلة. إذ تُظهر الوقائع أن الشركات الإماراتية هي المستفيد الأول، بينما تتفاقم ساعات الانقطاع في عدن إلى عشرين ساعة يومياً، ما يكشف أن الدعم ليس استراتيجية لمعالجة أزمة الطاقة بقدر ما هو بوابة لتعزيز حضور اقتصادي طويل الأمد.
ويُجمع كثير من المتابعين أن الموانئ كانت نقطة الانطلاق في مشروع النفوذ الإماراتي. فمنذ توقيع اتفاقيات مع موانئ دبي قبل سنوات، تراجع ميناء عدن تدريجياً حتى وصل إلى مرحلة شبه شلل، وهو ما فتح الباب أمام أبوظبي للانتقال إلى موانئ بديلة أقل كلفة وأكثر قابلية للسيطرة، مثل ميناء قشن، الذي مُنح لشركة غامضة لمدة خمسين عاماً ضمن صفقة تثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل السيادة اليمنية على مرافئه.
ويمتد النفوذ الإماراتي اليوم إلى باطن الأرض أيضاً. فمن مناجم الذهب في وادي مدن ومنجم نتيشة إلى مناطق التعدين في أبين وشبوة وحضرموت، تتولى تشكيلات محلية مدعومة إماراتياً إدارة المواقع، في ظل غياب الدولة وتضارب مصالح شبكات النفوذ. وفي قطاع الاتصالات، لم تكن صفقة بيع 70% من أصول “عدن نت” لشركة إماراتية غامضة سوى خطوة أخرى للتحكم في بنية معلوماتية حساسة تمس الأمن الوطني.
ولا تقف أبوظبي عند حدّ المرافئ والمعادن والاتصالات، بل تمضي في تحويل الجزر والمناطق الساحلية إلى مناطق نفوذ مغلقة، كما يحدث في سقطرى والمهرة، عبر مشاريع ظاهرها إنساني وباطنها ترسيخ لوجود طويل الأمد يتجاوز فكرة المساعدة إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية.
وفي المقابل، تبدو حكومة عدن عاجزة عن حماية القرار الوطني، إذ فقدت السيطرة الفعلية على الموارد الاستراتيجية، بينما باتت الفصائل الموالية للإمارات تلعب دوراً محورياً في تثبيت هذا النفوذ مقابل حماية مصالحها المحلية.
تحليل:
تكشف ملامح المشهد اليمني اليوم أن البلاد لا تعيش مجرد تدخّل خارجي عابر، بل عملية إعادة صياغة كاملة لمراكز القوة والاقتصاد، حيث تحوّلت أدوات “الدعم” إلى آليات نفوذ، وتحولت الاستثمارات إلى وسائل للسيطرة البنيوية على الموانئ والموارد والاتصالات. ومع استمرار الانقسام الداخلي وضعف الحكومة، تتسع الفجوة بين احتياجات اليمنيين وأولويات القوى المتدخلة، ما يجعل مستقبل الدولة مرهوناً بمدى قدرة اليمنيين على استعادة قرارهم السيادي وإعادة بناء مؤسساتهم بما يكسر دائرة التبعية التي تشكّلت خلال سنوات الحرب.